وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا

وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(1).

اللغة

البيت والمأوى والمنزل نظائر والبيت من أبيات الشعر سمي بذلك لضمه الحروف والكلام كما يضم البيت من بيوت الناس أهله والبيت من بيوتات العرب وهي أحياؤها وامرأة الرجل بيته قال الراجز:

ما لي إذا أجذبها صايت**أكبر قد غالني أم بيت المثابة

هاهنا الموضع الذي يثاب إليه من ثاب يثوب مثابة ومثابا وثؤبا إذا رجع قال ورقة بن نوفل في صفة الحرم:

مثاب لإفناء القبائل كلها**تخب إليها اليعملات الطلائح

ومنه ثاب إليه عقله أي رجع بعد عزوبه وأصل مثابة مثوبة نقلت حركة الواو إلى الثاء ثم قلبت ألفا على ما قبلها وقيل إن التاء فيه للمبالغة كما قيل نسابة وقيل إن معناهما واحد كمقامة ومقام قال زهير:

وفيهم مقامات حسان وجوهها**وأندية ينتابها القول والفعل

وجمع المقام مقاوم قال:

وإني لقوام مقاوم لم يكن**جرير ولا مولى جرير يقومها

والطائف والجائل والداثر نظائر ويقال طاف يطوف طوفا إذا دار حول الشيء وأطاف به إطافة إذا ألم به وأطاف به إذا أحاط به والطائف العاس والطوافون المماليك والطائف طائف الجن والشيطان وهو كل شيء يغشى القلب من وسواسه وهو طيف أيضا والعاكف المقيم على الشيء اللازم له وعكف يعكف عكفا وعكوفا قال النابغة:

عكوف على أبياتهم يثمدونها**رمى الله في تلك الأكف الكوانع

والعاكف المعتكف في المسجد وقل ما يقولون عكف وإنما يقولون اعتكف والركع جمع الراكع والسجود جمع الساجد وكل فعل مصدره على فعول جاز في جمع الفاعل منه أن يكون على فعول كالقعود والركوع والسجود ونحوها.

المعنى

قوله ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ عطف على قوله وإذ ابتلى وذلك معطوف على قوله يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي و﴿الْبَيْتَ﴾ الذي جعله الله مثابة هو البيت الحرام وهو الكعبة وروي أنه سمي البيت الحرام لأنه حرم على المشركين أن يدخلوه وسمي الكعبة لأنها مربعة وصارت مربعة لأنها بحذاء البيت المعمور وهو مربع وصار البيت المعمور مربعا لأنه بحذاء العرش وهو مربع وصار العرش مربعا لأن الكلمات التي بني عليها الإسلام أربع وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقوله ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ ذكر فيه وجوه فقيل أن الناس يثوبون إليه كل عام أي ليس هو مرة في الزمان فقط على الناس عن الحسن وقيل معناه أنه لا ينصرف منه أحد وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا فهم يعودون إليه عن ابن عباس وقد ورد في الخبر أن من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره ومن خرج من مكة وهو لا ينوي العود إليها فقد قرب أجله وقيل معناه يحجون إليه فيثابون عليه وقيل مثابة معاذا وملجأ وقيل مجمعا والمعنى في الكل يؤول إلى أنهم يرجعون إليه مرة بعد مرة وقوله ﴿وَأَمْناً﴾ أراد مأمنا أي موضع أمن وإنما جعله الله أمنا بأن حكم أن من عاذ به والتجأ إليه لا يخاف على نفسه ما دام فيه وبما جعله في نفوس العرب من تعظيمه حتى كانوا لا يتعرضون من فيه فهو آمن على نفسه وماله وإن كانوا يتخطفون الناس من حوله ولعظم حرمته لا يقام في الشرع الحد على من جنى جناية فالتجأ إليه وإلى حرمه لكن يضيق عليه في المطعم والمشرب والبيع والشراء حتى يخرج منه فيقام عليه الحد فإن أحدث فيه ما يوجب الحد أقيم عليه الحد فيه لأنه هتك حرمة الحرم فهو آمن من هذه الوجوه وكان قبل الإسلام يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له وهذا شيء كانوا قد توارثوه من دين إسماعيل فبقوا عليه إلى أيام نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) وقوله ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال ابن عباس الحج كله مقام إبراهيم وقال عطاء مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار وقال مجاهد الحرم كله مقام إبراهيم وقال الحسن وقتادة والسدي هو الصلاة عند مقام إبراهيم أمرنا بالصلاة عنده بعد الطواف وهو المروي عن الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن الرجل يطوف بالبيت طواف الفريضة ونسي أن يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم فقال يصليها ولو بعد أيام أن الله تعالى قال ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهذا هو الظاهر لأن مقام إبراهيم إذا أطلق لا يفهم منه إلا المقام المعروف الذي هو في المسجد الحرام وفي المقام دلالة ظاهرة على نبوة إبراهيم (عليه السلام) فإن الله جعل الحجر تحت قدميه كالطين حتى دخلت قدمه فيه وكان في ذلك معجزة له وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال نزلت ثلاثة أحجار من الجنة مقام إبراهيم وحجر بني إسرائيل والحجر الأسود استودعه الله إبراهيم (عليه السلام) حجرا أبيض وكان أشد بياضا من القراطيس فاسود من خطايا بني آدم.

القصة

ابن عباس قال لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل امرأة منهم وماتت هاجر واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم (عليه السلام) وقد ماتت هاجر فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ليس هنا ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثم يرجع فقال لها إبراهيم هل عندك ضيافة قالت ليس عندي شيء وما عندي أحد فقال لها إبراهيم إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه وذهب إبراهيم (عليه السلام) فجاء إسماعيل (عليه السلام) فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال لي أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه فطلقها وتزوج أخرى فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له واشترطت عليه أن لا ينزل فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله قال لها هل عندك ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا فقالت له أنزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثره فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدمه عليه فقال لها إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل (عليه السلام) وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام فقال إسماعيل لها ذاك إبراهيم (عليه السلام) وقد روي هذه القصة بعينها علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان عن الصادق (عليه السلام) وإن اختلف بعض ألفاظه وقال في آخرها إذا جاء زوجك فقولي له جاء هاهنا شيخ وهو يوصيك بعتبة بابك خيرا قال فأكب إسماعيل على المقام يبكي ويقبله وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) أن إبراهيم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له أن لا يلبث عنها وأن لا ينزل من حماره فقيل له كيف كان ذلك فقال إن الأرض طويت له وروى عبد الله بن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لا أن نورهما طمس لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وقوله ﴿مُصَلًّى﴾ فيه أقوال قيل مدعى من صليت أي دعوت عن مجاهد وقيل قبلة عن الحسن وقيل موضع صلاة فأمر أن يصلي عنده عن قتادة والسدي وهذا هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) واستدل أصحابنا به على أن صلاة الطواف فريضة مثل الطواف لأن الله تعالى أمر بذلك وظاهر الأمر يقتضي الوجوب ولا صلاة واجبة عند مقام إبراهيم غير صلاة الطواف بلا خلاف وقوله ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي أمرناهما وألزمناهما ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ أي قلنا لهما أن طهرا بيتي لأن أن هذه هي المفسرة التي تكون عبارة عن القول إذا صاحبت من الألفاظ ما يتضمن معنى القول كقوله سبحانه ﴿عَهِدْنَا﴾ هنا وذكر في التطهير هنا وجوه (أحدها) أن المراد طهرا من الفرث والدم الذي كان يطرحه المشركون عند البيت قبل أن يصير في يد إبراهيم وإسماعيل عن الجبائي (وثانيها) أن المراد طهراه من الأصنام التي كانوا يعلقونها على باب البيت قبل إبراهيم عن مجاهد وقتادة (وثالثها) أن المراد طهراه بنيانا بكماله على الطهارة كما قال سبحانه أ فمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار وإنما أضاف البيت إلى نفسه تفضيلا له على سائر البقاع وتمييزا وتخصيصا وقوله ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ أكثر المفسرين على أن الطائفين هم الدائرون حول البيت والعاكفين هم المجاورون للبيت وقال سعيد بن جبير أن الطائفين هم الطارئون على مكة من الآفاق والعاكفين هم المقيمون فيها وقال ابن عباس العاكفون المصلون والأول أصح لأنه المفهوم من إطلاق اللفظ وقوله ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قيل هم المصلون عند البيت يركعون ويسجدون عن قتادة وقيل هم جميع المسلمين لأن من شأن المسلمين الركوع والسجود عن الحسن وقال عطاء إذا طاف به فهو من الطائفين وإذا جلس فهو من العاكفين وإذا صلى فهو من الركع السجود قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إن الله عز وجل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت ستون منها للطائفين وأربعون للعاكفين وعشرون للناظرين.

المصدر: تفسير مجمع البيان في تفسير القران إلى الطبرسي (ت 548 هـ).


1- البقرة/125.
%d مدونون معجبون بهذه: