أضواء حول الحجَّ

أضواء حول الحجَّ

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ / فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران/96-97).

إن القرآن الكريم وبعد ردّه على الشبهة الأُولى لأهل الكتاب حول الأطعمة، ينتقل إلى الردِّ على اعتراضهم الثاني ويجيبهم بقوله: لا تتوهموا بأن بيت المقدس هو «المحور» بل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران/97) أهمية أحكام الحجِّ: للحج أهمية خاصة، وفي هذا الخصوص يمكن الوقوف على صفة هذه الأهمية من خلال رواية زرارة التي يسأل فيها من الإمام الصادق (عليه السلام) عن الحجِّ بقوله: «يا أبا عبد الله جعلني الله فداك أسألك في الحجِّ منذ أربعين عاماً فتفتيني؟!» فقال (عليه السلام) : «يا زرارة بيت يحج قبل آدم (عليه السلام) بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً» (الكعبة: حرم)  يستفاد من الآية الكريمة أن الكعبةَ بيتٌ بُني للناس ﴿وُضِعَ للناس﴾ وعليه فإن حرمته بسعة استيعاب جميع الناس. إن حرم الكعبة ليس كحرم مسجد تحدد أرضه من قبل الواقف. ومن جانب آخر فإن الله -سبحانه وتعالى- أعطى إبراهيم (عليه السلام)  أمراً بالأذان العام: ﴿وَأذِّن في النّاس بالحجِّ يأتوكَ رجالا وعلى كلّ ضامر يأتينَ من كلّ فجٍّ عميق﴾ وعندما يكون الإعلان عاماً، فمن البديهي أن يكون البيت موضوعاً للناس كافة. ومن الممكن قهراً أن يبلغ حرم الكعبة عدّة كيلومترات أيضاً، ولو تحققت بلطف الله حكومة إسلامية على تلك الديار، يحقّ لها أن تهدم جميع بيوتات مكة وتوسّع حرم البيت، ويعد هذا العمل حلالا وشرعياً ولا إشكال فيه، وعندها لا تواجه الطائف والزائر أي مشكلة لأن الله -عزّ وجلّ- قال: ﴿بيت وضع للناس كافة سواءً العاكفُ فيه والبادِ﴾ وعليه فإن الحرم سيتوسع قهراً.

لا بد أيضاً من الالتفات إلى هذه الملاحظة: وهي أن حرم الكعبة وسدانتها، لا يخضعان للخصوصيات الإقليمية والتقسيمات الجغرافية لقوله تعالى: ﴿إنْ أولياؤه إلاّ المتّقونَ﴾ أي إن الكعبة ليست ملكاً لأحد، ويتحمل مسؤوليتها المتّقون في جميع أرجاء المعمورة، وإن أولياء الكعبة إلاّ المتقون في أرجاء الوجود وليس خصوص سكنة الحجاز.

 والكعبة بيت عتيق أي مُعتقٌ وحرّ ولا يخضع لقانون من القوانين الدولية، وليس كالجبال والمعادن والنفط التي تعود للحجازيين بسبب وجودها في أرضهم، كلا فالكعبة ليست كذلك، بل هو بيت وضع للناس كافة ولن يخضع أبداً للقوانين الخاصة بالحجاز.

إلقاء إحدى الشبهات والردّ عليها يقول القرآن الكريم في سورة يونس:

﴿وأَوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوَّءَا لِقومكُما بمِصرَ بيوتاً واجعلوا بيوتكم قِبلةً وأقيمُوا الصلاةَ وَبشِّر المؤمنينَ﴾

 بعد أحداث هلاك فرعون وجنوده، عاد بنو إسرائيل المحرومون إلى مصر بتوجيه من النبي موسى (عليه السلام) . ولدى عودة هؤلاء المبعدين إلى مصر، حيث إن مراكزهم العبادية، تم تخريبها على أيدي الفراعنة، ولم يمتلكوا القدرة والسلطة لإعادة بنائها بعد، فإن الله -سبحانه وتعالى- أمرهم بجعل بيوتهم قبلة. هنا تطرح هذه الشبهة ومفادها: «كيف أصبحت منازلهم قبلة لصلاتهم؟» وفي الإجابة عن هذه الشبهة لابدّ من القول: إن المراد من القبلة، مصلّى ومحل الصلاة وليس «جهة» الصلاة بمعنى أنه لو صلى بنو إسرائيل خارج بيوتهم فيجب أن يؤدوا صلاتهم باتجاه منازلهم حتماً! وبناءً على ذلك فلا منافاة بين هذا المطلب والآية التي هي محل بحثنا، حيث تقول بأن الكعبة هي أول قبلة وضعت للناس.

وإن احتمل بعض المفسّرين أن يكون معنى الآية بهذا النحو:

﴿واجعلوا بيوتكم متقابلات بعضها مع بعض﴾،﴿ليعلم بعضكم بأحوال بعض ولضمان أمنكم﴾ ولكن في كلّ الأحوال، لا يمكن أن يكون المراد من الآية أن يتوجه كلّ من أراد الصلاة منهم خارج بيته باتجاه منزله ليكون قبلة صلاته لأنها مراكزهم العبادية، ومساجدهم ومعابدهم قبل التخريب، كانت باتجاه الكعبة، ولكن بعد التخريب لجأُوا إلى بيوتهم وأخذوا يمارسون عباداتهم فيها متجهين في صلاتهم باتجاه الكعبة، كما كانت مساجدهم متجهةً باتجاه الكعبة قبل التخريب، إذن فلا وجود لأي منافاة أو تعارض في البيت.

بعض الأحداث التي مرت على الكعبة في التاريخ:

لقد طوت الكعبة وراءها ماضياً طويلا وأحداثاً كثيرة، ولعل إحدى الحوادث المرّة التي واجهت هذا البيت الشريف – الذي كان معبد الأنبياء وقبلة الأولياء – هي في جعله معبداً للأصنام لفترة طويلة من الزمن أي إن الوثنيين وعبدة الأصنام من أهل الحجاز، كانوا يضعون الأصنام فوق الكعبة وأحياناً داخلها، ويفتخرون بمفاتيح وسدانة هذا البيت. لقد طهّر القرآن الكريم الكعبةَ من جميع النجاسات. وذكّر جميع الأنبياء بقول إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ﴿أن طهِّرا بيتيَ للطّائفينَ﴾. فكان الجميع ملزمين بتطهير الكعبة من نجاسة الأصنام، ليكون قبلة ومحل طواف للمصلين وزوّار الله تعالى.

وفي زمن الجاهلية، كانت سقاية الحاج وعمارة بيت الله من مسؤولية عبدة الأصنام. وكان للكعبة مفتاحٌ وسدانة للبيت.

وهو منصب ينتقل من فرد إلى آخر بالتناوب. وأحد الذين نال سمة سدانة الكعبة، رجل يدعى أبو غشان وبينما كان ثملا في إحدى الليالي، باع هذا الرجل حقَّ سدانة الكعبة ببعير وقربة من شراب.

لقد ألغى الإسلام جميع القيم الخرافية وقال: ﴿أجعلتم سقايةَ الحاجّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كمن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ وجاهدَ في سبيل الله﴾.

 حيث إن هذه الآية نزلت عندما طرحت مسألة خلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأراد بعضٌ أن يفضل نفسه عليه فخاطبهم الله تعالى بهذه الآية الشريفة.

 توضيح حول كلمة «آية»

ليس المراد من كلمة آية، المعجزة الخارقة للعادة كناقة صالح، وانشقاق القمر ونحوها، بل إن الآية هي بمعنى العلامة التي تظهر الحقّ وتذكر بها.

وتستعمل كلمة آية بمعنى العلامة التكوينية أحياناً، وأخرى بمعنى العلامة التشريعية مقابل العلامة التكوينية، وتستعمل أحياناً بالمعنى الأعم من التكوين والتشريع أيضاً.

 ففي قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بكلّ ريع آيةً تَعْبثونَ / وتتّخذونَ مصانعَ لعلكم تخلُدُونَ﴾ استُعملت بمعنى العلامة والإمارة.

وكذا قوله تعالى: ﴿ما نَنسخ من آية أو نُنسِها نأتِ بخير منها أو مِثلِها﴾ فقد جاءت بمعنى العلامة.

وبناءً على ذلك، فيما يتعلق بقوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات﴾ لا يستلزم أن تكون جميع الآيات المتعلقة بالكعبة من نوع المعجزة وخلاف العادة والطبيعة. بل يمكن أن تطلق كلمة آية على كلّ شيء يذكر الإنسان بالحق. كما قال بمعنى قوله تعالى: ﴿ومَن دخله كان آمناً﴾ بأنه جاء من باب التفصيل بعد الإجمال ومصداقاً لآيات بينات، من دون وجود أمر خارق في البيت، مع أنه مذكرٌ بالحق، وبهذا السبب فهو علامة إلهية. وقال سيدنا الأستاذ (قدس سره) بتعبير ألطف مع أن جملة ﴿مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً﴾ جاءت بدلا من آيات بينات. والظاهر من أسلوب الكلام البدلية، إلاّ أنه استدلالٌ على البدل في الحقيقة.

توضيح حول قوله تعالى «مقام إبراهيم (عليه السلام)

إحدى آيات الله البينات وعلاماته الواضحة في مكة، مقام إبراهيم، وتلك الصخرة التي وضع سيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام)  قدمه عليها وبقي أثره عليها وكانت سابقاً موضوعة على الأرض جوار الكعبة بشكل حسن وبأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الأعمال التي قام به بعضهم ووافق عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد تم وضعه حيال الملتزم فيما بعد أَي أن قسماً من تلك الصخرة دفنوه في الأرض لغرض عدم نقله من مكان إلى آخر، ولا يزال موضع المقام واضحاً وبارزاً وقد وضعوا عليه قفصاً فلزياً.

وهذا هو ما أشار له في الميزان: «استفاض النّقل على أنّه مدفون بحيال الملتزم»، والملتزم: موضعٌ ما بين باب الكعبة والحجر الأسود «الركن الشرقي» حيث إن مقام إبراهيم يكون بإزائه.

توضيح حول الحطيم:

ينقل المحدث القمي -رضوان الله عليه- في السفينة، باب «حطم» روايةً مفادها، أن المراد ب «الحطيم»:  المسافة بين الحجر الأسود وباب الكعبة. وتأسيساً على ذلك فإن الملتزم هو ذات هذا الموضع. ومقام إبراهيم الذي هو مقام الحطيم سيكون قهراً حيال الملتزم، والسَّر في تسمية هذا المكان بالحطيم، هو أن سيدنا إبراهيم (عليه السلام) اتخذه إسطبلا لأغنامه، ويحطّم فيه التبن والأعلاف لتغذيتها (وبهذا المعنى يطلق على الأعلاف حطيم وعلى التبن حطام لأن المحطوم يعني المهشّم والمكسّر)، وكان عليه أن يصلي في هذا المكان ويتوجه بالعبادة والتضرع والمناجاة. وعلى هذا الأساس فإن الحطيم أفضل مواضع أطراف البيت، ولهذا السبب أيضاً ورد في الروايات، لو أن الفرد أمضى سنين متمادية بالعبادة ليلا ونهاراً في ذلك المكان، ولم يكن على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)  فلن تقبل منه.

ونقل المحدث القمي مثل هذا المضمون أيضاً في السفينة باب «الحجر» أن الحطيم يطلق على المسافة ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة.

ويقول: «إن مفهوم ومكان الحجر الأسود معلوم والحدّ الفاصل بين الحجر الأسود وباب الكعبة يسمى بالحطيم».

ويضيف بعد ذلك: أن جماعة كانوا يقولون حين استلامهم الحجر الأسود: «إني اقبّلك وأعلم أنك لا تضرّ ولا تنفع» إلاّ أنّ المنتمين لأهل البيت (عليهم السلام)  كانوا يجيبونهم بالقول: «والله إنّه ليضرّ وينفع» أي إن هذا الحجر ليس كسائر الأحجار، فإنه ينفع ويضر لأنه يشهد لصالح بعض ويشتكي من غيرهم. ومع أن مسألة الشفاعة والشكوى غير موجودة في هذه الجملة، إلاّ أنّ النفع والضرر ناظران لهذا المعنى».

ويقول المرحوم الطريحي في كتاب مجمع البحرين باب لغة «حطم»: «تكرر ذكره في الأحاديث» ثم يتناول المعنى اللغوي لكلمة «حطيم» ويقول: «هو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين الباب وسمي حطيماً لأن الناس يزدحمون فيه على الدعاء».

وأفضل الأماكن الموجودة في أطراف البيت، هو هذا المكان. ثم يذكر فضيلة ومنزلة الأماكن الأُخرى بالتسلسل.

لقد ذكرنا فيما مضى نظرية أهل اللغة، وبعض من أهل الحديث حول كلمة«الحطيم»، إلاّ أنّ سيدنا الأستاذ (قدس سره) يقول: 

وفسّرت بعض كتب اللغة والجغرافية كلمة الحطيم بهذا المعنى مثلما ورد في «التهذيب». وجمع بعضٌ المعنيين معاً نظير ما ذكر في «لسان العرب: «وهو ما بين الركن والباب، وقيل هو الحجر المخرج منهما» وقيل: إن المراد بالحطيم حجرُ إسماعيل.

ويذكر عدة وجوه في تسميته بالحطيم منها:

1- لأن البيت رُفع وترك فصار محطوماً.

2- لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت فيه من الثياب فبقي حتى حُطم بطول الزمان. والنتيجة: أن ما ذكره أهل اللغة، لا يمتلك سنداً روائياً. ولو قالت إحدى الروايات، بأن المراد بالحطيم ما بين الركن والباب، والأُخرى نَفَت هذا المعنى، لثبت بأن المراد بالحطيم خصوص تلك الفاصلة، وإلاّ فمن الممكن أن يكون المعنيان صحيحين.

الحجر الأسود:

كلّ ما كان خارجاً في الوجود، له أصلٌ في مخزن الله وينزَّلَ منه، إلاّ أن الحجر الأسود يمتلك خصيصة أُخرى يختص بها. بلحاظ أن الله تبارك وتعالى يقول في بعض الموارد: ﴿أنزلنا﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ﴾. فإن تعبير «أنزلنا» هنا ليس بديلا عن «خلقنا»، بل إنه ناظرٌ إلى المعنى الواقعي للإنزال. وطبعاً الإنزال بنحو التجلي لا بصورة التجافي. أو كقوله تعالى: ﴿وأنزلَ لكم من الأنعام ثمانيةَ أزواج﴾ أي أنزل لكم ثمانية أزواج من كلّ نوع، سواء الداجن منها أو الوحشي «الغنم الداجن والوحشي، والبقر الداجن والوحشي، الخيل الداجنة والوحشية…»، تجدر بالاشارة إلى أنه لا يراد بإنزال البقر والغنم أو الحديد نفس النوع من إنزال المطر والثلوج. بل بمعنى أن أصله ومنبعه عند الله تعالى كما في قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وإنِ من شيء إلاّ عندنا خزائنه ومَا ننزلُه إلاّ بقدر معلوم﴾ أي إن كلّ ما موجود في عالم الطبيعة، أصله موجود في خزائن الله تعالى وتنزل منها. وبهذا المعنى، فهو إنزال حقيقي، لا بمعنى الخلق والايجاد.

 ومع كلّ ما قدّمناه، فإن الحجر الأسود يمتلك خصيصة أخرى غير هذا المفهوم العام أي كما أنهُ لو تحول مكان ما إلى مسجد، فإنهَ سيشنع ويشتكي يوم القيامة، إلاّ أن الأماكن الأُخرى لا تمتلك مثل هذه الخاصيّة لأنه لا تقام فيها أعمال ومناسك خاصة، والمسجد فقط هو الذي يشتكي من البعض ويشهد لصالح البعض الآخر والحجر الأسود أيضاً له هذه الخاصيّة، وإن كان قد جاء في نهج البلاغة: من أن الكعبة تضم أحجاراً لا نفع لها ولا ضرر.

 فإن هذه المقولة تعني أحجار الكعبة نفسها دون الحجر الأسود لأن هذا الحجر يمتلك خصائص أخرى أيضاً طبقاً لماورد عن المحدث القمي (قدس سره) .

نظرية العلامة الطباطبائي (قدس سره) حول «أمن الحرم»

 يقول العلامة: المراد من الأمن المذكور في الآية: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾. هو الأمن التشريعي دون التكويني لأنه حدثت في تاريخ الكعبة الكثير من الحروب، والمذابح والاضطرابات. ولهذا السبب لا يمكن للآية أن تدل على الأمن التكويني، ولئن كان هناك وجود للآمن، فإنما يكون مراعاة قوانين الشريعة من قبل الناس، لا بسبب الأمن التكويني.

نقد هذه النظرية

لا يمكن قبول هذه النظرية. لأن القرآن يقول في سورة قريش: ﴿الذي أَطعمهم من جُوع وآمنهم من خوف﴾، فهذه الآية تريد الأمن التكويني، لأن أهل مكة كانوا يعانون من الجوع، ولكنهم نجوا بلطف الله من الجوع والفقر الاقتصادي، مع أن منطقة مكة، ليست محلا مناسباً للزراعة وتربية الحيوانات وممارسة الصناعة، إلاّ أنّهُ توجد فيها الكثير من النعم. ومن الممكن طبعاً أن يرفع الله – سبحانهُ وتعالى – حكم هذه الآية (أي الأمن)  في مقطع زمني محدد، إلاّ أن أصل الأمن يبقى تكوينياً.

والنتيجة التي نخلص لها. هي أن خليل الرحمن (عليه السلام)  وإن كان قد دعا بدعائه، ومن ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أولَم يروا أَنّا جعلنا حرماً آمناً﴾، ولكن ذلك لا يعني أن باستطاعة كلّ فرد أن يفعل ما يشاء في ذلك المكان بشكل مطلق لأنه تعالى يقول في مكان آخر: ﴿وَضربَ اللهُ مثلا قريةً كانت آمنة مطمئنةً يأتيها رِزقُها رَغَداً من كلّ مكان فكفرتْ بأنعُمِ اللهِ فأَذاقها اللهُ لباسَ الجُوع والخَوفِ بما كانوا يصنعونَ﴾ أي مع أنهم كانوا ينعمون بنعمة الأمن، إلاّ أنّه وبسبب الكفران بتلك النعمة، تغيرت الأوضاع وزال الرزق الوفير وحلّ محلّه الجوع. إذن فإن المسألة ليست بهذا الشكل، بأن الله – سبحانه وتعالى – لو جعل بقعةً ما من الأرض مأمناً، وكفر أهل تلك البقعةِ بأَنعُمِ الله، فإنّه – تعالى – سيديم نعمته عليهم، ويتلطف عليهم بدوام الأمن والأمان، كلا، حيث يقول جلّ وعلا في موضع آخر:

﴿ولو أنّ أهلَ القرى آمنوا واتقوا لفتَحنا عليهم بركات من السّماء والأرضِ ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسِبُونَ﴾-وأهل القرى يشمل هنا كل منطقة بشكل عام- إذن فكلتا الحالتين – نزول البركات والبلاء – أمران تكوينيان إلاّ أنّه من الممكن طبعاً أن يمهل الله أحياناً ومن ثم يعود فيؤاخذهم.

 إن الأمن لا يعني عدم وقوع المذابح هناك، بل إنّ الله – تبارك وتعالى – جعل من ذلك المكان مأمناً، على أساس لطفه الخاص، ولكن لو ضلّ الناس هناك وكفروا، فإنه – تعالى – سيؤاخذهم لأنه قال: ﴿ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم﴾، ومن الممكن طبعاً أن تتمكن حكومة ظالمة في غير مكة أن تحكم بالظلم لسنين متمادية، ولكن الأمر ليس كذلك في أرض مكة. إذن نخلص إلى القول، بأن أرض مكة لا يمكن أن تتجرد عن أي أمن تكويني، وأن يعود أمنها إلى خصوص التشريع فقط.

وبعبارة أخرى: أن أرض مكة ليست كالجنّة لا يقع فيها أي إثم: ﴿لا لغوٌ فيها ولا تأثيمٌ﴾، بل إن لها أحكام الدنيا، إلاّ أنّ هذا المكان يختلف عن الأماكن الأخرى، والشاهد على ذلك قوله تعالى: ﴿ومَن يُرد فيه بإِلحاد بظُلم نذقهُ من عذاب أليم﴾ ولكن الله تعالى يؤاخذ الظالمين في الأماكن الأخرى أيضاً: ﴿ولا تحسبَنّ اللهَ غافلا عمّا يعملُ الظالمونَ﴾. غير أن الأخذ الفوري والقضاء السريع على حياة الظالم، يختص بالبلد الأمين وأرض مكة فقط.

 وتأسيساً على ذلك، فإن دعاء سيدنا إبراهيم (عليه السلام)  بطلب الأمن والرزق لمكة وساكنيها، يجمع بين التكوين والتشريع. ﴿وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهلَه منَ الثمرات مَن آمن منهم بالله واليوم الآخِر قال ومَن كفرَ فَأمَتّعُهُ قليلا ثم أضطرُّهُ إلى عذابِ النار وبئسَ المصيرُ﴾ فبعد أن دعا (عليه السلام) ربّه بجعل هذا البلد آمناً، وأن يرزق أهله من الثمرات، خصّ دعاءَه بالمؤمنين من الناس، ولهذا قال (عليه السلام)  مباشرةً ودون فصل: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، دون أهل الكفر. فاستجاب الله سبحانه وتعالى لدعائه، فجعلنا مكة أرضاً مباركةً لأهلها جميعاً، إلاّ أن المؤمن له في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ويمكن طبعاً أن ينعم الكافرون بنعم مكة أياماً معدودة ببركة المؤمنين، ولكن عاقبة أمرهم ستكون سوء العذاب.

الشاهد الآخر قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ حيث كان الاختطاف أمراً تكوينياً ولذا فإن الأمن مقابل ذلك يعدّ أمراً تكوينياً أيضاً.

والشاهد الآخر: هو قول أهل مكة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ﴿وقالوا إنْ نَتَّبعِ الهدى معكَ نُتَخطّف من أرضنا﴾ أي لو آمنّا بك فلن نشعر بالأمن.

ويجيب القرآن الكريم على دعائهم بقوله: ﴿أَولَم نمكّن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمراتُ كلّ شيء رزقاً من لَدُنّا ولكنَّ أكثرَهُم لا يعلمونَ﴾ أي إننا جعلنا لبلد مكّة ميزتين:

1- وجود الأمن حيث إن جميع الناس يلتزمون بمراعاة حرمة الحرم.

2- البركات المادية المتمثلة بتوفر جميع الأطعمة والثمرات فيها. بينما ينعدم توفرُ الاثنين معاً أو أحدهما في مكان آخر، ويندر توفر هاتين النعمتين معاً في مكان واحد، طبقاً للظروف الاعتيادية والإقليمية المألوفة.

جديرٌّ بالإشارة إلى أن أهل مكّة وبحسب الظاهر يجب أن يفتقدوا حالة الإحساس بالأمن لأن أهل الحجاز كانوا مطبوعين بطابع البطش وشن الغارات من جهة، ومن جهة أخرى كانوا محرومين من مظاهر العلم والثقافة، والزراعة وتربية الحيوانات، والصناعة وغيرها. ومن الطبيعي أن يتحول المجتمع الجاهل الجائع إلى مجموعة قطاع طرق يتصفون بالسلب والنهب وشن الغارات، ولكن مع ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لقد جعلنا مكة محلا آمناً ومباركاً﴾، ولهذا فإن أهل مكة لا يمتلكون حقّ التعلل وخلق الأعذار.

الجواب على إحدى الشبهات:

لو كانت أرض مكة ترفل بالأمن، فلماذا هاجر المسلمون في صدر الإسلام، إلى أرض الحبشة؟

وجواباً عن هذا التساؤل لابد من القول: ولئن كان المسلمون يعانون من المشقة والألم، إلاّ أنّ هجرتهم إلى الحبشة كانت تنطوي على بعد تبليغي أكثر من تعبيرها عن الاستجابة للضغط المستخدم ضدهم لأن النساء كانت تعيش بأمان في مكة، بينما لاحظنا مرافقة النساء للرجال في الهجرة إلى الحبشة، وإن دّل هذا على شيء فإنما يدل على الرغبة في قيام النساء بالترويج للشريعة في أوساط النساء، والرجال في أوساط الرجال.

أمن الحرم والسلاح (بحثٌ روائي):

في نهاية هذا البحث، لابد من الإشارة إلى أن الأمر الإلهي تحرك من أجل الحفاظ على الأمن وإقراره وتطابق التشريع مع التكوين، حيث يقول تعالى: لا يحق لمن كان مسلماً دخول الحرم، ويمنع حمل السلاح حال الإحرام، عند انعدام الخوف أو الضرورة. ويجوز حمل السلاح لأهل مكة ولمن خرج من الإحرام وأصبح محلاًّ، إلاّ أنّ إظهاره غير مستحسن لأنه من الممكن أن يشعر الناس بالخوف فيما لو شاهدوا السلاح، في حين أن ذلك المكان، هو بلد الأمن. وألفت انتباهكم إلى مجموعة من الروايات في هذا الخصوص:

1- عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ المحرم إذا خافَ العدوّ يلبس السلاح فلا كفارة عليه» تجدر الإشارة إلى أنه يُستفاد من مفهوم الجملة الشرطية: لا يحق له حمل السلاح، إن لم يكن في حال الخوف.

2- عن عبد الله بن سنان قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) «أيحمل السلاح المحرم؟ فقال: إذا خاف المحرم عدوّاً أو سرقاً فليلبس السلاح». وبما أن «الأمر» جاء بعد «توهم الخطر والمنع»، يدل هذا فقط على جواز حمل السلاح وليس وجوبه إي لا حرمة في حمل السلاح في مثل هذه الموارد.

3- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: «المحرم إذا خاف لبس السلاح».

4- عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يحرم الرجل وعليه سلاحه إذا خاف العدو»، وهذه الروايات تتعلق بحال الإحرام، وحمل السلاح يعد من تروك الإحرام، وأما الروايات التي تتعلق بالوضع العادي:

1- عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي أن يدخل الحرم بسلاح إلاّ أن يدخله في جوالق أو يغيبه. يعني يلفّ على الحديد شيئاً».

2- عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)  قال: «سألته عن الرجل يريد مكة أو المدينة يكره أن يخرج معه السلاح، فقال: لا بأس بأن يخرج بالسلاح من بلده ولكن إذا دخل مكة لم يظهره».

واستناداً إلى هذه التعاليم الدينية، فإن التشريع سيتطابق مع التكوين. تجدر الإشارة إلى أن حمل السلاح من قبل قوات الأمن، يوجب الأمن والاطمئنان للقادمين الجدد، ويجعلهم في مأمن من هجوم عابري السبيل عليهم.

الحج تكليف عام:

﴿ولله على الناس حجّ البيت مَن استطاع إليه سبيلا﴾.

كلمة «الناس» لا تختص بالمسلمين فقط، بل تشمل جميع شرائح المجتمع بما في ذلك اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، صغاراً وكباراً. تجدر الإشارة إلى أن أصل التكليف بأداء فريضة الحج، وإن كان يشمل جميع الناس على وجه الاستحباب، إلاّ أنّ وجوبه مختص بالمكلفين، بينما سائر العبادات الأخرى ليست كالحج وعلى سبيل المثال فإن الصلاة التي هي عمود الدين، يشرع بأدائها من قبل الأطفال بعد سنّ السابعة لأغراض الممارسة، (طبعاً مع الأخذ بنظر الاعتبار، اختلاف الفقهاء حول عبادات الصبي وهل هي مشروعة أم لأغراض الممارسة؟ وإن كان الحقّ في كون عبادات الصبّي المميز مشروعة) ، إلاّ أنّه لا صلاة على الأطفال دون سنّ السابعة فضلا عن الصيام و… إلخ، أما في باب الحج فالمسألة ليست بهذا النحو، حيث يمكن للفرد أداء أعمال فريضة الحج سواء في مرحلة الطفولة، أو مرحلة الصِّبا أو الشباب والبلوغ. إلاّ أنّ الطواف مستحب في مرحلة الطفولة بمعنى أنه يفضل للأُم والأب أن يطوفوا بوليدهم، طبعاً بإتيان النية ثم يطّوّفون بالطفل، دون أن يؤدوا الطواف نيابة عنه. تجدر الإشارة إلى أن هذا الطفل عندما يبلغ سنّ الصِّبا والتمييز بإمكانه الإتيان بالنيّة وأداء أعمال الحج بنفسه وإن لم يبلغ بعد ولم يعد مكلفاً، إلاّ أن حجّه في هذه الحالة مشروع كفضيلة، وإن لم يحسب له بعنوان حجة الإسلام – الحج الواجب – ويجب عليه أداء الحج بعد سنّ البلوغ إن استطاع لذلك سبيلا.

 إذن بإمكان الإنسان الإتيان بثلاثة أنواع الحج في مراحل عمره المختلفة:

1- حجّ الطواف.

2- الحجّ المندوب (المستحب) .

3- الحجّ الفريضي (الواجب) . وفيما يتعلق بالأقسام الثلاثة للحج تأملوا الروايات التالية:

1- عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)  «قال سمعته يقول: مرّ رسول الله برويثة وهو حاج، فقامت إليه امرأة ومعها صبي لها فقالت: يا رسول الله أيحجّ عن مثل هذا؟ قال: نعم ولك أجره».

2- عن محمّد بن الفضيل، قال سألت أبا جعفر الثاني (عليه السلام)  عن الصّبي: «متى يحرم به؟ قال (عليه السلام) إذا ثغر».

هذه الروايات تتعلق بمرحلة الطفولة، أما في مرحلة الصبا بحيث يكون مميزاً، يمكنه أن يؤدي أعمال الحج بشكل مستقل وهو مشروع، إلاّ أنه لا يكفي عن حجة الإسلام. وتأملوا الروايات التالية في هذا المجال:

1- عن ابان بن الحكم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «الصّبي إذا حجّ فقد قضى حجة الإسلام حتى يكبر…».

2- عن سمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام)  قال: «لو أن غلاماً حجّ عشر حجج ثم احتلم كانت عليه فريضة الإسلام».

مكانة الحجِّ في نهج البلاغة:

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة الأولى بشأن الحج:

«وفرضَ عليكم حجَّ بيته الحرام، الذي جعلَه قبلةً للأنام، يَرِدونَهُ ورودَ الأنعام، ويألهُونَ إليه وُلُوهَ الحَمام، وجعلَه – سبحانه – علامةً لِتواضعهم لعظمته، وإذعانِهم لعزتِه، واختارَ مِن خلقِهِ سُمّاعاً أجابوا إليه دعوتَه، وصدّقوا كلمتَه، ووقفوا مواقفَ أنبيائه، وتشبَّهوا بملائكته المُطيفينَ بعرشة، ويحرزُونَ الأرباحَ في متجرِ عبادتِه، ويتبادَرونَ عنده موعدَ مغفرته، جعله – سبحانه وتعالى – للإسلام علَماً، وللعائِذين حرماً، فرضَ حَقَّهُ، وأوجبَ حجَّهُ، وكتب عليكم وِفادتَهُ، فقال سُبحانه: ﴿ولله على النّاس حِجُّ البيتِ من استطاع إليه سبيلا ومَن كفرَ فإن الله غنيٌّ عن العالمين﴾.

ويقول (عليه السلام) في الخطبة العاشرة بعد المائة:

«إن أفضل ما توسَّل به المتوسلونَ إلى الله سبحانه وتعالى الإيمانُ به وبرسوله، والجهاد في سبيله… وحجُّ البيت واعتمارُهُ، فإنهما يَنفيان الفقرَ ويرَحَضَانِ الذنبَ…».

ويقول (عليه السلام) في أواسط الخطبة القاصعة ناظراً إلى التواضع ونبذ الاستكبار. 

الاستكبار:

«أَلا ترونَ أنَ الله – سبحانه – اختبرَ الأولينَ من لدن آدَم – صلوات الله عليه – إلى الآخِرينَ من هذا العالَم، بأحجار لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولا تُبصِرُ ولا تَسمَعُ، فجعلَها بيتَه الحرامَ «الذي جعلَه للناسِ قياماً». ثمَّ وضعَهُ بِاَوْعَرِ بِقاعِ الأرض حَجراً، وأقلِّ نتائِقِ الدنيا مدراً، وأضيقِ بطونِ الأودية قُطراً. بين جبال خَشِنَة ورمال دَمِثة وعيون وَشِلة وقُرًى مُنقطعة، لا يَزكُو بها خُفٌّ ولا حافِرٌ ولا ظِلفٌ. ثمّ أمرَ آدمَ (عليه السلام) وَولدَهُ أن يثنُوا أعطافَهم نحوهُ، فصارَ مثابةً لمنتجعِ أسفارِهم، وغايةً لمُلقى رحالِهم، تهوي إليه ثمارُ الأفئدةِ من مفاوِزِ قِفار سحيقة، ومهاوِي فِجاج عميقة، وجزائرِ بحار منقطعة، حتى يهزّوا مناكبَهم ذُللا يهلّلونَ لله حولَه، ويرمُلُونَ على أقدامِهم شُعْثاً غُبْراً له. قد نبذوا السرابيلَ وراءَ ظهورِهم، وشوَّهوا بإعفاء الشعورِ محاسنَ خلقهم، ابتلاءً عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختياراً مُبيناً، وتمحيصاً بليغاً، جعله الله سبباً لرحمته، ووصلةً إلى جنّته. ولو أراد – سبحانه – أن يضعَ بيته الحرامَ، ومشاعره العِظامَ، بين جنّات وأنهار وسهل وقَرار، جمَّ الأشجارِ دانِي الثمارِ، مُلتفَّ البُنى، مُتصل القُرى، بين برّة سمراء، وروضة خضراءَ، وأرياف محدقة، وعِراص مُغدقة، ورياض ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صَغُر قدرُ الجزاء حسن ضعفِ البلاء. ولو كان الإِساسُ المحمولُ عليها، والأحجار المرفوع بها، بين زُمرّدة خضراءَ، وياقوتة حمراء، ونور وضياء، لخفَّفَ ذلك مصارعةَ الشكّ في الصدور، ولوضعَ مجاهدةَ إبليس عن القلوبِ ولنفى معتلجَ الريبِ من الناس، ولكنّ الله يَختبر عباده بأنواع الشدائِدِ، ويتعبدهُم بأنواع الَمجَاهِدِ، ويبتليهم بضروب المكارة، إخراجاً للتكبّر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فَضله، وأسباباً ذللا لعفوه».

وفي موضع آخر من نهج البلاغة يقول (عليه السلام) حين وصيته للحسنين (عليهما السلام) والناس كافة بعد أن جُرِحَ على يد ابن ملجم المرادي عليه اللعنة:

«الله الله في بيت ربّكم، لا تخلّوه ما بقيتم، فإنّه إن تُرك لم تُناظروا».

وقال (عليه السلام) في كتاب أرسله إلى واليه على مكة قثم بن عباس:

«أما بعدُ، فأقِم للناسِ الحجَّ، وذكّرهم بأيام الله، واجلس لهم العصرَيْنَِ فَأفْتِ المستفتي، وعلّم الجاهلَ، وذاكر العالمَ، ولا يكُن لكَ إلى الناس سفيرٌ إلاّ لسانُكَ، ولا حاجبٌ إلاّ وجهُكَ… وَمُرْ أهْلَ مكّة ألاّ يأخذوا من ساكن أجراً، فإن اللهَ سبحانهُ يقول: ﴿سواءً العاكفُ فيه والبادِ﴾ فالعاكف: المقيم به، والبادي: الذي يحجّ إليه من غير أهله. وفقنا اللهُ وإياكم لِمحابّهِ والسلام».

 شبهةٌ حول بركة الكعبة وهدايتها:

يقول صاحب تفسير «المنار» في تفسير آيات بينات وبركة البيت: «أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد أحدها أو منها: مقام إبراهيم، أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة، تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر. فأي دليل أبين من هذا على كون البيت أول بيت من بيوت العبادة الصحيحة المعروفة في ذلك العهد، وضع ليعبد الناس فيه ربّهم. وإبراهيم أبو الأنبياء في الأرض الذي أبقى أثرهم بجعل النبوة والملك فيهم، لا يعرف لنبيّ قبله أثر، ولا يحفظ له نسب وقوله: ﴿ومَن دخله كان آمناً﴾ آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد، وهي اتفاق قبائل العرب كلّها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله، حتى إن مَن دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وايذائه فقط، بل يأمن من أن يثأر منه من سفك هو دماءَهم واستباح حرماتهم مادام فيهم. مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع، والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان واقرّه الإسلامُ.

أقول: وقد تقدم في تفسير: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ إن بعضهم يقول: إن مقامه عبارة عن موقفه حيث ذلك الأثر للقدمين وإن هذا ضعيف. والكلام هنا في أن مقام إبراهيم مشتمل على ما ذكره من الأثر، أما الأثر نفسه فقد كانت العرب تعتقد أنه أثر قدمي إبراهيم (عليه السلام)  ثم يواصل شبهتهُ بالقول: «وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه هذا القول ضَعيف، إذ ليس آية وعدم نفرة الطير من الناس هناك، ويرد عليه أن الطير تألف الناس لعدم تعرضهم لها، ولذلك نظائر في الأرض، وانحراف الطير عن موازينه، ليس بمتحقق.

 ثم يقول بعد ذلك: «إذا أراد أحد الجبابرة أن يظلم فسيضربه الله، ويرغم أنفه ويعذبه يوم القيامة عذاباً شديداً».

نقد الكلام المذكور:

لا بد من الإشارة إلى أن الموارد المذكورة ليست من عداد الآيات القرآنية كي يقول: «إن الحمائم لا تشعر بالخوف لأن البيت مكان آمن». ولكن ثِقل الشُبهة يكمن في الموارد الأخرى المتمثلة في أن الحيوانات المتوحشة لا شأن لها بالحيوانات الأليفة فعلا، حيث لو تمّ إثبات ذلك، لأصبح أمراً جديراً بالنظر والتأمل. وأما مسألة عدم وقوف الحمائم على سطح الكعبة، فهي غير مؤكدة لأنه لوحظ أحياناً وقوفها على سطح الكعبة.

إلاّ أنّ ما كان من الآيات، هو لو قصد من أراد خرابها، فإنه – سبحانه وتعالى – لن يمهله طرفة عين أبداً، مثل حادثة أبرهة وأصحاب الفيل، التي كانت معجزةً خارقةً للعادة. ومثل هذه الآثار تعدّ آثاراً تكوينية، لابد من بقائها وثباتها، وأدنى مستوى يدل على آية الكعبة، هي آيتها التكوينية، حيث ما انفك الأمن موجوداً في مكة، وأن الله سبحانه وتعالى أخضع ذلك المجتمع العاصي المتوحش بحيث جعلهم يجلّون حرمة هذا البيت ويحترمونها، والآيات التالية من قبيل: ﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ و ﴿أوَلَم يَروا أنّا جعلنا حرماً آمناً ويُتخطّفُ النّاسُ من حولهم…﴾ وقوله تعالى ﴿وقالوا إن نتّبعِ الهدى معكَ نُتخطَّف من أرضنا أوَلَم نُمكّن لهم حَرَماً آمِناً يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيء﴾، هذه الآيات تتعلق بالعصر الجاهلي وقبل تشريع مسألة الأمن. إذن فإن حكم الأمن التشريعي – جاء بعد ظهور الإسلام، إلاّ أنّ القرآن الكريم يذكر الأمن الموجود منذ زمن الجاهلية وحتى ظهور الإسلام كدليل. وإلاّ فإن جميع هذه الآيات الشريفة نزلت بعد ظهور الإسلام، ولكنها جميعاً تذكّر بالأمن الشائع قبل الإسلام.

 تجدر الإشارة إلى أن الآية الشريفة: ﴿ومَن يُرد فيه بإلحاد بظُلم نُذِقه من عذاب أليم﴾ يحتمل أن تشير إلى من يمارس الظلم في خصوص الحرم والبيت، فإن الله سبحانه وتعالى سيضطره إلى عذاب أليم، نظير حادثة أبرهة وأصحابه، الذين أخذهم الله تعالى بعذابه. إلاّ أنّ الذي يظلم الناس في خصوص الحرم، من الممكن أن لا يؤاخذه الله تعالى في مدة قصيرة ويمهلهُ إلى أجل قريب.

 وبعبارة أخرى فإن مفاد هذه الآية مفاد قوله تعالى: ﴿إنّ الذينَ يأكلونَ أموالَ اليتامى ظلماً إِنَّما يأكلونَ في بطونِهم ناراً﴾، حيث إنها تشير إلى المنع التشريعي لأن كلّ من يأكل المال الحرام إنّما يأكل في بطنه ناراً، إلاّ أنه جاء التعبير على هذا النحو بخصوص الذي يأكل مال اليتيم، لأن اليتيم في واقع الحال هو مظلوم لا ملاذ له، وإلاّ فإن مثل هذا الحكم، يسري على المال الحرام وإن لم يكن من مال اليتيم. إلاّ أنّه لو كان دعاء الظلم خصوص الحرم، فإن الله تعالى أشدّ انتقاماً وأنكى.

وفي نهاية هذه الطائفة من الآيات فإن القرآن الكريم وبعد أن ردّ شبهات أهل الكتاب بخصوص حلّية وحرمة الطعام والقبلة، وبيّن أهمية الكعبة وزيارتها انتقل إلى القول: ﴿ومَن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾.

المحقق آية الله العظمى الشيخ الجوادي الآملي

%d مدونون معجبون بهذه: