الحجّ في القرآن – 1

الحجّ في القرآن (1)

يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ / فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (1).

صلة الآية بما سبقها

لقد سُبقت الآية اكريمة الآنفة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (2)،ثم جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ…﴾ والذي يدلنا على هذا الترتيب انّ خطاب الآية ينصرف إلى اليهود الذين كانوا يزعمون انهم على دين إبراهيم الخليل، فجاء القرآن يحاججهم: لو أنكم على ملة إبراهيم الخليل فعلاً وحقّاً، إذاً لعظمتم البناء الإبراهيمي، واتّخذتموه قبلةً ومطافاً.

شبهة أهل الكتاب

نستفيد من ظاهر الآية أيضاً انها جاءت ناظرة لشبهة كان يُلقي بها أهل الكتاب على المسلمين، ومفاد الشبهة:

أولاً: لا مجال للباطل أن ينفذ إلى دين إبراهيم الخليل (ع). لذلك لا يصح القول بالنسخ الذي يذهب اليه المسلمون واتخذوا بمقتضاه الكعبة قبلة بدلاً من بيت المقدس.

فبيت المقدس لا زال في زعم أهل االكتاب هو قبلة المسلمين التي يجب أن يتولّوها كما كانوا يتولونها فعلاً قبل الهجرة إلى المدينة، وإنّ تحوّلهم عنه إلى الكعبة بذريعة النسخ لا يعدو أن يكون ضرباً من الوهم والخيال، لأنّ النسخ لا يجوز في حكم الله!

ثانياً: لقد أتيتم باطلاً في قولكم: إنَّ هذا السلوك هو من دين إبراهيم; وفي زعمكم أنَّ إبراهيم (ع) كان مسلماً وأنكم مُتّبِعوُه. فأنتم اذن اجترحتم الباطل مرتين; مرَّة حين قلتم بالنسخ; ومرَّة حين نسبتم تصرفكم في تحويل القبلة إلى إبراهيم وقلتم إنكم تبعٌ له في ذلك!

معالجة شبهة أهل الكتاب

إنَّ أول ما يمكن أن يقال في جواب الشبهة: إنَّ النسخ جائز وليس ثمة ما يدل على استحالته.

ثمّ إنَّ الحكم الأصلي للقبلة كانَ يختص بالكعبة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ…﴾ فإبراهيم (ع) كان قد اضطلع بمهمة بناء الكعبة ورفع قواعدها واتخاذها قبلة ومطافاً قبل أن يقوم سليمان (ع) ببناء بيت المقدس في فلسطين.

لذا فإنَّ رجوع المسلمين إلى الكعبة قبلةً وترك بيت المقدس، إنما هو عودٌ إلى السيرة الإبراهيمية، ورجوع إلى القبلة الأُلى التي تولاّها إبراهيم، ومن اقتفى أثره من أنبياء الله.

هذه الحقيقة يحدثنا بها القرآن حين يعرض سبحانه إلى سيرة إبراهيم. فإبراهيم (ع) حين ترك ابنه وزوجته في أرض مكة القفرة دعا ربّه: ﴿ربنا رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ…﴾ (3) ثم أبان (ع) مُراده من ذلك بقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ (4) فالقصد إذن هو إقامة الصلاة في أشرف بقعة من بقاع الأرض، أي انّ أفضل ذرية أُمرت أن تقيم الصلاة في أعظم أرض.

الموقع الإعرابي لكلمتي «مباركاً» و«هدى»

إنَّ (مباركاً) و (هدىً) إما أن تكون منصوبة على الحال، وهي متعلقة (ببكة) فيكون المعنى; إنَّ البيت في حال البركة والهداية. وإمّا أن تكون «حالاً» للضمير «وضع» فيكون المعنى: «وضع مباركاً وهدى» أو «للناس مباركاً وهدىً» أو (للذي ببكة مباركاً وهدىً).

وما يعنينا التأكيد عليه أنَّ جميع هذه الاحتمالات نافذة قابلة للتطبيق، لأنَّ الكعبة منار هداية لجميع الناس، بحيث يستطيع البشر كافة أن ينالوا قسطاً من هداية الكعبة وبركاتها.

مواقع استعمال «الأولية» في القرآن

لقد استعمل القرآن الكريم مصطلح «الأولية» في مواطن كثيرة تدل على النسبة، بيد أنَّ الاستخدام لهذه اللفظة في قوله تعالى: ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ هو استعمال نفسيّ.

أما في قوله تعالى من سورة التوبة (لا تقم فيه أبداً) (5) حكاية عن نهي النبي من الاقامة في مسجد ضرار، وحثّه في المقابل للاقامة في مسجد قبا حيث يصفه سبحانه بقوله: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (6). فانَّ استعمال (أول يوم) في الآية يكون نسبيّاً لا نفسياً، والمعنى: أنَّ المسجد أُسّس يوم بُني على التقوى.

ولقد ذكر الشيخ الطوسي(رحمه الله) عند تفسير الآية: «أول الشيء ابتداؤه، ويجوز أن يكون المبتدأ لهُ آخر، ويجوز أن لا يكون له آخر، لأنّ الواحد أول العدد، ولا نهاية لآخره، ونعيم أهل الجنة لَهُ أول، ولا آخر له، فعلى هذا انما كان أول بيت، لأنه لم يكن قبله بيت يحج اليه»(7).

وقد ذهب مفسرّون آخرون(8) إلى أنَّ الأول لا يستلزم دائماً، وبالضرورة أن يكون لَهُ ثان، فقد يقول المرء: هذا سفري الأول إلى بيت الله الحرام، دون أن يستلزم كلامه ضرورة أن يوفق لحج البيت مرةً أخرى. وعلى هذا يكون معنى الأولية هنا، أنّه لم يكن قبله شيء. وعليه; حين يقال أول بيت، فلا يستلزم القول أن يكون ثمة بيت ثان وهكذا.

وهذا الكلام لا يتعارض مع وجود بيوت أخرى للعبادة، تكون ثانية وثالثة وهكذا; من زاوية: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) (9) بيد أنَّ وجود هذه البيوت لا يكون في مقابل وجود الكعبة. فكلام الشيخ الطوسي وإن كان صحيحاً في نفسه، إلاّ أنّ مصداقه غير صحيح. فما يقوله من أن تنعم أهل الجنة له أول ولا آخر له لا يصح، رغم أنَّ لهذا النعيم أولاً. ووجه عدم الصحة أنّ هذه النعم بنفسها لا أول لها ولا آخر، فالجنة موجودة الآن – لا أنها تخلق بعد الدنيا – ونعمها دائمة ثابتة دون انقطاع، خصوصاً تلك الجنة التي يقول عنها تعالى: (عِندَ مليك مقتدر) (10).

الأولية بالذات وبالغير

إنَّ الأولية بالذات تختص بالله سبحانه ف- ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾(11). وفيوضاته غير محدودة إذ «وَكلّ مَنّه قديم» وهو «دائم الفضل» لا أوّل لها ولا آخر، لكنه أول بالعرض لا بالذات، فانَّ بدايته ترتبط ب- «هو الأول» ونهايته ب- «هوالآخر» وذلك خلافاً لذات الله تعالى التي لا أول ولا آخر لها، وانما هو سبحانه بالذات، الأول والآخر.

الكعبة أول معبد

إنَّ الآية الكريمة تدل على أنَّ الكعبة هي أول معبد بني على سطح الارض. أما كون دلالة الآية على أنَّ الكعبة كانت أول بيت بني للسكن، فهو أمر مستبعد، ومثل هذا الاستنباط محفوف بالمشكلات، خصوصاً وأنَّ الأولية مقيّده بكون الكعبة بنيت «مسجداً».

بيد أنَّ ذلك لا يمنع من القول: إنَّ مكة هي أول أرض تكوّنت من سطح اليابسة، بعد أن انزاح عنها الماء. أما إن تُفيد الآية أنّ الكعبة كانت أول بيت; فالأمر ينطوي على إشكال كما أشرنا.

إلاّ أنَّهُ علينا أن نذكر أنَّ الآية مثلما لا تثبت; فهي لا تنفي أيضاً، ومَرَدُّ ذلك أنَّ الجملة الوصفية أو المقيّدة لا مفهوم لها – بالمعنى الأصولي – وما لا مفهوم له لا إطلاق له أيضاً. والذي نقصدهُ بأنَّ الجملة لا مفهوم لها، أنَّ الجملة الوصفية واللقبية ليسَ بمقدورهما أن يقيِّدا الدليل اذا كانَ مطلقاً، لا انَّه بمقدورنا أن نقتنص الإطلاق منهما. وبه يتضح الفرق بين قولنا: إنّ الجملة لا مفهوم لها، وبين كون الدليل مطلقاً.

فالجملة الوصفية أو اللقبية لا مفهوم لها بمعنى لا تثبت، ولا تُفيد الإطلاق، وإنما يكون لها مفهوم في مقام التحديد وحسب، فلذلك إذا دلَّ دليل من الخارج –  من خارج الآية – أنَّ الكعبة هي أول بيت بني على سطح الأرض، على أساس «دحو الأرض» فإنَّ الآية لا تخالف ما يدل عليه مثل هذا الدليل. وإنما يصعب استظهار مثل هذا المعنى من الآية نفسها.

بناء الكعبة

إنَّ المقصود من « البيت » هو خصوص الكعبة، حيث يقول تعالى في سورة المائدة: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (12)

«قياماً» هي مفعول ثان للفعل «جعل». انَّ الله جعل الكعبة أو البيت الحرام يتصف بكونه عنصر قيام لجميع الناس.

وستتضح العلاقة بين هذه الصفة، وبين ما رأيناه في الآية مورد البحث، من أنَّ البيت ينطوي على سرّ البركة والهداية للناس كافة.

وما ينبغي أن نشير اليه أنَّ البيت كانَ موجوداً قبل إبراهيم (ع)، إلاّ أنَّ عوامل كثيرة أثَّرت عليه من قبيل الطوفان، فلم يبق على هيئته الاولى. وحين قام إبراهيم (ع) بتشييد البيت ورفع قواعده، أصبحنا منذ تلك اللحظة أمام معالم واضحة لتاريخ البيت ومساره على مرَّ العصور.

واحدة من هذه المعالم، يحدثنا عنها ما يحكيه سبحانه على لسان إبراهيم، في سورة إبراهيم، حيث يقول (ع): (ربنا إني أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرَّم) (13) فحين ترك الخليل زوجته هاجر وولده إسماعيل (ع)، في هذه الأرض القفرة وَهمَّ بوادعهما، سألته هاجر: «إلى من تدعني؟» فأجاب: إلى ربّ هذه البنية.

لذلك يقول إبراهيم (ع): ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ…﴾ ثم بيَّن ما يقصده بما يحكيه القرآن على لسانه: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (14) لأنك أنت «مقلب القلوب». ولقد قال إبراهيم ﴿أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾ وإلاّ لو كان الخليل (ع) قد قال كما يذكر الطبري في تفسير الآية: ﴿أَفْئِدَةً النَّاسِ﴾ لحج جميع الناس سواء منهم اليهودي والنصراني وأصحاب الملل الأخرى.

لم تكن مكة أرضاً مواتاً يمكن استصلاحها لتعمر بالنبات والزرع، وإنما كانت أرضاً جبلية صخرية تفتقر إلى الماء.

لذلك عبَّرت الآية في دعاء الخليل (ع) عن وادي مكة بانَّهُ (غير ذي زرع) وَلم تعبّر عنه بأنَّهُ « لم يزرع » اذ لو كانت الأرض صالحة للزراعة، بيد أنها مهملة بانصراف الجهد الإنساني عنها، لقيل عنها « لم تزرع » من باب « عدم الملَكة » أما أنّها غير صالحة للزراعة والأعمار أصلاً فقد عبر عنها بأنهار « غير ذي زرع ».

إلاّ أنَّ الخليل (ع) العارف بقدرات الله غير المتناهية، قال معَ ذلك: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ وقد أوكل الأمر اليه سبحانه في أن يفعل ما يشاء.

لقد تضمن هذا المقطع من الدعاء بيان المقاصد التالية:

1 – انَّ القصد الأساس هو أن يقيموا الصلاة ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ وإن كان ثمة مقاصد أخرى في السياق.

2 – طلب (ع) أن يعطف قلوب وعقول شطر من الناس إليهم.

3 – ثم أراد من ربّه أن يشملهم من الثمرات رزقاً ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.

لقد تكرَّرت مضامين هذا الدعاء الإبراهيمي في سورة البقرة، حيث قال (ع) فيما يحكيه القرآن على لسانه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًاً﴾ (15). فانبثقت بعد فترة عين زمزم ببركة هذا الدعاء وباستغاثة هاجر(ع) وبصرخات اسماعيل (ع) وبكائه، وهو طفل صغير.

ولما انبثق الماء حلت الطيور حوله، وأخذت القوافل تحط رحالها عنده، فتحولت مكة إلى « بلد» وأجيبت الدعوة.

حينما جاء إبراهيم الخليل (ع) ورأى الوادي قد تحوَّل إلى بلد، أعادَ (ع) دعاءه مع تغيير السياق: (واذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمناً) (16) فقد دخلت هنا (الالف واللام) على كلمة (بلد) بينما بقي طلب (الأمن) ثابتاً لكلا الحالتين.

لقد حقق سبحانه لإبراهيم دعوته وحلَّ الأمن في مكة، حتى تميَّزت عما حولها من البلاد، اذ يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (17).

إنَّ استعمال (يتخطّف) ينطوي على دلالة عميقة في رسوخ الأمن، فالخطفة تعني انقضاض الصقر على فريسته في حال غفلتها، ومكة في أمان من ذلك.

لقد استجيبت دعوة إبراهيم و أضحى الحرم آمناً، حتى على صعيد الحكم الفقهي، ذلك أنَّ ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (18).

انَّ جملة ﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ تدل دلالة واضحة على أنَّ للبيت وجوداً قبل إبراهيم (ع)، وإنما غاية ما هناك أنه تعرض لحوادث طبيعية وغير طبيعية، جعلت البيت عرضة للهدام والخراب. حصل ذلك قبل إبراهيم وبعده أيضاً، حيث تهدمت الكعبة اثر السيول، وفي عصر الإسلام قام الحَجاج برميها بالمنجنيق من على جبل أبي قبيس.

لذا فانّ الصخور السوداء التي تعلو جدران الكعبة الآن، هي ليست نفس الصخور التي كانت عليها قبل عدة قرون.

والذي يظهر أنَّ الكعبة كانت في صدر البعثة النبوية، لا يتجاوز ارتفاعها ضعف طول الإنسان المتوسط. نستفيد ذلك من واقعة ارتقاء الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) على كتفي رسول الله (ص)، حيث رمى الأصنام وقذف بها نحو الأرض أثناء فتح مكة.

أما الجانب المعنوي في هذه الواقعة فله حسابه الآخر، حيث عبَّر الإمام علي (ع): انَّهُ حين كان على كتف رسول الله (ص) لو رام أن ينال الثُريا لنالها.

ما نستفيده من هذا العرض أنَّ الكعبة كانت عرضة للهدام والتخريب أكثر من مرَّة.وفي هذا السياق جاء الخطاب إلى إبراهيم الخليل: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ حيث تكفل سبحانه بيان المكان ووضع التصميم الهندسي والمعماري للكعبة، ثم كان على إبراهيم أن يضطلع بمهمة التنفيذ والبناء، حيث جاء في تتمة الخطاب الالهي: ﴿ألاّ تشرك بي شيئاً أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (19).

بين الكعبة وبيت المقدس:

إنَّ لبيت المقدس قدسيته ومكانته، إلاّ أننا لا نجد في القرآن أنَّ الله سبحانه ينسبه إلى نفسه في الكيفية، التي نتلمسها في الكعبة، والتي تختص بها دون غيرها، كما في قوله تعالى: (بيتي) و (بيت الله).

بعد أن أقام إبراهيم البيت، جاءه الخطاب الالهي: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (20) انَّ جملة ﴿يَأْتُوكَ﴾ هي جواب الأمر، بمعني سيأتون في المستقبل. وَ هؤلاء سيأتون بأيّ كيفية ممكنة، فمنهم المشاة، ومنهم من يأتي (وعلى كل ضامر) أي الهزيل من النوق وغيرها.

وبه يتضح أنَّ الملبين للنداء الإبراهيمي، منهم من يأتي مشياً، ومنهم من يأتي راكباً على كل ضامر. أما اولئك الذين لهم القدرة أن يركبوا على غير الهزيل الضامر، فإنّ حظّهم في الاستجابة للنداء أقل من غيرهم.

وفي كل الأحوال، فإنَّ الملبين للنداء سينطلقون من كل مكان يقصدون البيت. ﴿يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (21)

يتضح من سياق الآيات أنَّ إبراهيم (ع) طوى مراحل متعدّدة بأمر الله تعالى. فبادئ الأمر تعرف على أرض مكة، ثم ترك فيها زوجته وولده، وطلب من ربّه أن تكون لهما بلدة آمنة.

وحين عاد اليها مجدداً رآها وقد آلت إلى أن تكون «بلدة» فكرّر دعوته في أن يجعلها أمناً وأماناً. ثم جاءه الخطاب بتشييد قواعد البيت، وفي الأثناء توجه إلى ربّه بدعائه: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (22).

وحين بُنيت الكعبة; وصفها تعالى بقوله: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (23) ولم يقتصر الأمر على الكعبة وحدها في أن تكون حراماً، وعنصر قيام للناس، وإنما اتسع المكان ليشمل الحرام، وامتد الزمان ليستوعب الشهر الذي يتم فيه الحج، فكل ذلك وما يتخذ الناس من الهدي والقلائد أصبح شعاراً وقياماً للناس ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ﴾ (24).

لقد ذكر الطبري في تفسيره للآية، أنّ البيت كان قواماً للناس في الجاهلية، حتى وهم لا يرجون جنّة ولا يخافون ناراً، فشدَّد الله ذلك بالإسلام. ثم أضاف: «كان الرجل لو جرّ كل جريرة، ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يُقرب.وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه».

بل زاد الأمر على ذلك بعدم التعرض للحيوان اذا قُلِّد بقلادة، إذ يصبح في أمان حتى وهو يأكل من علف غير صاحبه.

وبشكل عام، كانت معالم الأمن ظواهر واضحة، يمكن تلمسها والاحساس بها لزوّار البيت الحرام.

القبلة إلى البيت المقدس:

ليس ثمة شك، أنّ بيت المقدس أضحى قبلة من عصر سليمان (ع) فما بعد، فسليمان هو الذي وضع تصميم بيت المقدس وقام ببنائه.

لقد كان رسول الله (ص)، حين كان في مكة، يتوجه على خط واحد إلى الكعبة وبيت المقدس، حيث كان يقف في كيفية تجمع بين القبلتين.

ومثل هذا الجمع كان سهلاً في مكة; لأنَّ بيت المقدس يقع في شمال غربي الكعبة، ورسول الله (ص) يقف في جنوب الكعبة فيكون بمقدوره أن يجمع القبلتين على خط واحد.

أما في المدينة فقد اختلف الأمر تماماً، لذلك كان يقصد بيت المقدس قبلة حين الصلاة بعد أن تعذّر الجمع بينه وبين الكعبة، بل كانت الكعبة تقع إلى وراء ظهره.

بيد أنَّ الحال لم يدم، حيث تمّ تحويل القبلة إلى الكعبة ورسول الله (ص) واقف يصلّي في مسجد القبلتين، فاستدار وهو في الصلاة نحو الكعبة.

المسجد الحرام والمسجد الاقصى:

جمعت الآية الكريمة من سورة الاسراء بين المسجد الحرام والمسجد الاقصى، حيث يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (25).

إنّ عوامل الأرض، والمناخ، والماء، ساهمت جميعاً في إعطاء مزايا لأطراف المسجد الاقصى، وكانت سبباً في كثرة النعم والخيرات. ومع ذلك فقد قُدّر لمكة أن تنعم بكلّ هذه الثمرات والخيرات أو اكثر، رغم أرضها ومائها ومناخها. والسّر في وفور الخيرات والثمرات دائماً في مكة هي دعوة الخليل المستجابة ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾.

الفوارق بين الكعبة والمسجد الاقصى

لقد اضطلع بمسؤولية بناء الكعبة إبراهيم الخليل، وهو (ع) من أولي العزم. بينما اضطلع سليمان (ع) ببناء بيت المقدس، وهو ليس من أولي العزم، وإنما من الحفّاظ لشرائع أولي العزم.

بيد أنّ هذا الفارق ليس هو الوحيد بين الكعبة والمسجد الاقصى، وإنما ثمة فارق آخر يتمثل بالوعد الإلهي، بحماية الكعبة وحراستها من الأعداء; هذا الوعد الإلَهي تحوّل إلى سيرة عملية، في حين لا نجد ما يناظر هذا الوعد بالنسبة لبيت المقدس.

فلو أراد أحد أن يتعرض للكعبة لعرّض للاستئصال، كما حماها سبحانه بطير أبابيل، وصانها بمعجزات أخرى. أمّا عملياً فلا نجد مثل هذا الوعد بالنسبة لبيت المقدس، اذ استطاع «بخت نصر» أن يهدم بيت المقدس تماماً، إلاّ أنَّهُ لم يتعرض لما تعرض اليه أبرهة الحبشي.

بناء الكعبة لمنفعة الناس:

ما نستفيده من ظاهر الآية الشريفة مدار البحث أنَّ أول بيت وضع لعبادة الناس كان في مكة، وقد وضع لينتفع منه الناس، حيث يقول تعالى: ﴿وضع للناس﴾ وان كان التعبير في مورد التكليف بالحج جاء قريناً بحرف الجر «على» حيث يقول تعالى: ﴿لِلّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ إلاّ أننا سنوضح أنَّ العبادة والتكليف لا يمكن أن يكونا ضدَّ الناس أبداً، بل هما لصالحهم دائماً.

لذلك تجد أهل السلوك يعبّرون عن التكليف بالتشريف. فالرجل حين يبلغ السادسة عشرة من عمره، والمرأة حين تبلغ العاشرة يعبِّرون عنهما أنهما قد بلغا سنَّ التشريف (ويعنون به التكليف) وأصبحا أهلاً للخطاب الالهي، في حين لم يكونا قبل ذلك أهلاً لتلقي ما ينطوي عليه الخطاب من أحكام نظير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ (26).

وعن الأحكام الإلهية عموماً بما تنطوي عليه من تكليف يقول تعالى: (ذلكم خير لكم) (27) وانطلاقاً من هذه الزاوية بالذات عُبِّر عن العبادة ب- « اللام ».

معبد الانبياء:

ظاهر ما عليه الآية من الاطلاق انَّ البيت الحرام والكعبة المشرّفة كانا أول معبد في تاريخ البشر، بحيث لم يكن لنبي قبلة غير الكعبة.

هذا الاستنتاج نستطيع أن نؤيده من آيات في سورة «مريم». ففي هذه السورة نقرأ عن المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (28) وذلك علاوة على ما في سورة من وصايا لأنبياء آخرين، حيث يقول تعالى – بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء -: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّاً﴾ (29).

فمسار الأنبياء(ع) من آدم حتى نوح، ومن نوح حتى إبراهيم، وما بين هؤلاء الأنبياء ومن ذراريهم يمدحهم الله بقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا﴾ ومن الواضح أنَّ السجود يستلزم وجود الجهة، سواء أكان المعني السجود بنفسه أو السجود في اطار الصلاة، حيث تقام الصلاة لقبلة بعينها.

على أنَّ الراجح هو قيامهم بالصلاة، كما تؤيد ذلك الآية التي تليها، حيث يقول تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (30).

يتضح مما تقدم أنَّ الأنبياء كانوا من أهل الصلاة، وأنَّ الصلاة والسجود يستلزمان جهةً وقبلة.

وفي مسألة القبلة إما أن نستند إلى قوله تعالى فنقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ (31). وهو قول بعيد. وإمّا أن نقول بجهة خاصة كانت قبلة لهم.

وما نستفيده من ظاهر الآية في إطلاقها، أنَّ الكعبة كانت قبلة الصلاة والسجود لجميع أنبياء الله من آدم حتى النبي الخاتم(ع). أما احتمال غير الكعبة قبلة لهم، فهو مما لا يتسق مع ما عليه الآية من إطلاق.


1–  آل عمران: 96،97.

2–  آل عمران: 95.

3–  إبراهيم: 37.

4–  إبراهيم: 37.

5–  التوبة: 108.

6–  التوبة: 108.

7–  التبيان 2: 535.

8–  مجمع البيان 2: 477.

9–  النور: 36.

10–  القمر: 55.

11–  الحديد: 3.

12–  المائدة: 97.

13–   إبراهيم: 37.

14–  البقرة: 126.

15–  إبراهيم: 35.

16–  العنكبوت: 67.

17–  آل عمران: 97.

18–  الحج: 26.

19–  الحج: 27.

20–  الحج: 27.

21–  البقرة: 127.

22–  المائدة: 97.

23–  المائدة: 97.

24–  الاسراء: 1.

25–  البقرة: 43.

26–  البقرة: 54، 184، 271.

27–  مريم: 31.

28–  مريم: 58.

29–  مريم: 59.

30–  البقرة: 115.

31–  نور الثقلين 1: 367.
Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: