وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا

الآيات 35-41من سورة إبراهيم

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ﴿35﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿36﴾ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿37﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴿38﴾ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء ﴿39﴾ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ﴿40﴾ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴿41﴾

بيان:

تتضمن الآيات تذكرة ثانية بجملة من نعمه عقيب التذكرة الأولى التي يتضمنها قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون﴾ الآية فذكر سبحانه أولا نعمته على جمع من عباده المؤمنين وهم بنو إسرائيل من ولد إبراهيم ثم ذكر ثانيا نعمته على جمع آخر منهم وهم بنو إسماعيل من ولد إبراهيم وهي التي يتضمنها دعاء إبراهيم (عليه السلام): ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ إلى آخر دعائه وفيها نعمة توفيقه تعالى لهم أن يجتنبوا عبادة الأصنام ونعمة الأمن بمكة وميل الأفئدة إلى أهله ورزقهم من الثمرات وغير ذلك كل ذلك لأن الله سبحانه هو العزيز الحميد.

قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ أي واذكر إذ قال إبراهيم والإشارة إلى مكة شرفها الله تعالى.

وقد حكى الله سبحانه نظير هذا الدعاء على اختصار فيه عن إبراهيم (عليه السلام) في موضع آخر بقوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ البقرة: 126.

ومن الممكن أن يستفاد من اختلاف المحكيين في التعبير أعني قوله: ﴿اجعل هذا بلدا آمنا﴾ وقوله: ﴿اجعل هذا البلد آمنا﴾ أنهما دعاءان دعا (عليه السلام) بهما في زمانين مختلفين، وأنه بعد ما أسكن إسماعيل وأمه أرض مكة ورجع إلى أرض فلسطين ثم عاد إليهما وجد من إقبال جرهم إلى مجاورتهما مكانا ما سر بذلك فدعا عند ذلك مشيرا إلى مكانهم ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا﴾ فسأل ربه أن يجعل المكان بلدا ولم يكن به وأن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات، ثم لما عاد إليهم بعد ذلك بزمان وجد المكان بلدا فسأل ربه أن يجعل البلد آمنا.

ومما يؤيد كونهما دعاءين ما فيهما من الاختلاف من غير هذه الجهة ففي آية البقرة الدعاء لأهل البلد بالرزق من الثمرات وفي الآيات المبحوث عنها الدعاء بذلك لذريته خاصة مع أمور أخرى دعا بها لهم.

وعلى هذا يكون هذا الدعاء المحكي عن إبراهيم (عليه السلام) في هذه الآيات آخر ما أورده الله تعالى في كتابه من كلام إبراهيم (عليه السلام) ودعائه، وقد دعا به بعد ما أسكن إسماعيل وأمه بها وجاورتهما قبيلة جرهم وبنى البيت الحرام وبنيت بلدة مكة بأيدي القاطنين هناك كما تدل عليه فقرات الآيات.

وعلى تقدير أن يكون المحكيان دعاء واحدا يكون قوله: ﴿رب اجعل﴾ إلخ تقديره: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا وقد حذف في إحدى الآيتين المشار إليه وفي الأخرى الموصوف اختصارا.

والمراد بالأمن الذي سأله (عليه السلام) الأمن التشريعي دون التكويني – كما تقدم في تفسير آية البقرة – فهو يسأل ربه أن يشرع لأرض مكة حكم الحرمة والأمن، وهو – على خلاف ما ربما يتوهم – من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده فإنا لو تأملنا هذا الحكم الإلهي الذي شرعه إبراهيم (عليه السلام) بإذن ربه أعني حكم الحرمة والأمن وأمعنا فيما يعتقده الناس من تقديس هذا البيت العتيق وما أحاط به من حرم الله الآمن وقد ركز ذلك في نفوسهم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم وجدنا ما لا يحصى من الخيرات والبركات الدينية والدنيوية عائدة إلى أهلها وإلى سائر أهل الحق ممن يحن إليهم ويتعلق قلبه بهم، وقد ضبط التاريخ من ذلك شيئا كثيرا وما لم يضبط أكثر فجعله تعالى مكة بلدا آمنا من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده.

قوله تعالى: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس -إلى قوله – غفور رحيم﴾ يقال: جنبه وأجنبه أي أبعده، وسؤاله (عليه السلام) أن يجنبه الله ويبعده وبنيه من عبادة الأصنام لواذ والتجاء إليه تعالى من الإضلال الذي نسبه إليهن في قوله: ﴿رب إنهن أضللن﴾ إلخ.

ومن المعلوم أن هذا الإبعاد والإجناب منه تعالى كيفما كان وأيا ما كان تصرف ما وتأثير منه تعالى في عبده بنحو، غير أنه ليس بنحو يؤدي إلى الإلجاء والاضطرار ولا ينجر إلى القهر والإجبار بسلب صفة الاختيار منه إذ لا مزية لمثل هذا الابتعاد حتى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل الله.

فرجع بالحقيقة إلى ما تقدم في قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ الآية، أن كل خير من فعل أو ترك فإنه منسوب إليه تعالى أولا، ثم إلى العبد ثانيا بخلاف الشر من فعل أو ترك فإنه منسوب إلى العبد ابتداء ولو نسب إليه تعالى فإنما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة، وقد أوضحنا ذلك.

فالاجتناب من عبادة الأصنام إنما يتحقق عن إجناب من الله رحمة منه لعبده وعناية، وليس في الحقيقة إلا أمرا تلبس واتصف به العبد غير أنه إنما يملكه بتمليك الله سبحانه فهو المالك له بذاته والعبد يملكه بأمر منه وإذن كما أن العبد إنما يهتدي عن هداية من الله، وليس هناك إلا هدى واحد لكنه مملوك لله سبحانه لذاته والعبد إنما يملكه بتمليك منه سبحانه، وأبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أن الله يوفق عبده لفعل الخير وترك الشر هذا.

فتلخص أن المراد بقوله (عليه السلام) ﴿واجنبني﴾ سؤال ما لله سبحانه من الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام وبعبارة أخرى هو يسأل ربه أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحق إن هم عرضوا أنفسهم لذلك وأن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا وأن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائه (عليه السلام).

ومنه يعلم أن نتيجة الدعاء لبعض المدعوين لهم وإن كان بلفظ يستوعب الجميع، وهذا البعض هم المستعدون لذلك دون المعاندين والمستكبرين منهم وسنزيده بيانا.

ثم هو (عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء لنفسه وبنيه: و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام وبنوه جميع من جاء من نسله بعده وهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق فإن الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره، ويصدق ذلك القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ الحج: 78 وقد تكرر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في نيف وأربعين موضعا من كلامه تعالى.

فهو (عليه السلام) يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه ولجميع من بعده من بنيه بالمعنى الذي تقدم، اللهم إلا أن يقال: إن قرائن الحال والمقال تدل على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعم بني إسحاق.      

ثم عقب (عليه السلام) دعاءه: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ بقوله: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ وهو في مقام التعليل لدعائه وقد أعاد النداء ﴿رب﴾ إثارة للرحمة الإلهية، أي إني إنما أسألك أن تبعدني وبني عن عبادتهن لأنهن أضللن كثيرا من الناس ونسبة الإضلال إلى الأصنام لمكان الربط الذي بين الضلال وبينهن وإن لم يكن ارتباطا شعوريا وليس من اللازم في نسبة أي فعل أو أثر إلى شيء أن يقوم به قياما شعوريا وهو ظاهر.

ثم قوله (عليه السلام): ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ تفريع على ما تقدم من كلامه أي إذا كان كثير من الناس أضلتهم الأصنام بعبادتهن واستعذت بك وعرضت نفسي وبني عليك أن تجنبنا من عبادتهن افترقنا نحن والناس طائفتين: الضالون عن طريق توحيدك والعارضون لأنفسهم على حفظك وإجنابك فمن تبعني إلخ.

وقد عبر (عليه السلام) في تفريعه بقوله: ﴿فمن تبعني﴾ والاتباع إنما يكون في طريق – وقد لوح إلى الطريق أيضا بقوله: ﴿أضللن﴾ لأن الضلال إنما يكون عن الطريق – فمراده باتباعه التدين بدينه والسير بسيرته لا مجرد الاعتقاد بوحدانيته تعالى بل سلوك طريقته المبنية على توحيد الله سبحانه ليكون في ذلك عرض النفس على رحمته تعالى وإجنابه من عبادة الأصنام.

ومن الدليل على كون المراد بالاتباع هو سلوك سبيله قوله في ما يعادله من كلامه: ﴿ومن عصاني﴾ فإنه نسب العصيان إلى نفسه ولم يقل: ومن كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحق ونحو ذلك كما لم يقل فمن آمن بك أو أطاعك أو اتقاك وما أشبهه.

فمراده باتباعه سلوك طريقه والتدين بجميع ما أتى به من الاعتقاد والعمل وبعصيانه ترك سيرته وما أتى به من الشريعة اعتقادا وعملا كأنه (عليه السلام) يقول: من تبعني وعمل بشريعتي وسار بسيرتي فإنه ملحق بي ومن أبنائي تنزيلا أسألك أن تجنبني وإياه أن نعبد الأصنام، ومن عصاني بترك طريقتي كلها أو بعضها سواء كان من بني أو غيرهم فلا ألحقه بنفسي ولا أسألك إجنابه وإبعاده بل أخلي بينه وبين مغفرتك ورحمتك.

ومن هنا يظهر أولا أن قوله (عليه السلام): ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ تفسير لقوله: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ بالتصرف في البنين تعميما وتخصيصا فهو كتعميم البنين لكل من تبعه من جهة وتخصيصه بالعاصين له منهم من جهة أخرى فليسوا منه ولا ملحقين به، وبالجملة هو (عليه السلام) يلحق الذين اتبعوه من بعده بنفسه وأما غير متبعيه فيخلي بينهم وبين ربهم الغفور الرحيم كما قال تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ آل عمران: 68.

وهذه التوسعة والتضييق منه (عليه السلام) نظير مجموع ما وقع منه ومن ربه في الفقرة الأخرى من دعائه على ما يحكيه آية البقرة: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ حيث سأل الرزق أولا لأهل البلد ثم خصه لمن آمن منهم فعممه الله سبحانه بقوله: ﴿ومن كفر﴾ ثانيا.

وثانيا: أن من الممكن أن يستفاد من قوله (عليه السلام) فيمن تبعه: إنه مني وسكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه وبنيه أن ذلك تبن منه لكل من تبعه وإلحاق له بنفسه، ونفي لكل من عصاه عن نفسه وإن كان من بنيه بالولادة، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة السكوت في النفي.

ولا إشكال في ذلك بعد ظهور الدليل فإن الولادة الطبيعية لا يجب أن تكون هي الملاك في النسب إثباتا ونفيا، ولا تجد واحدة من الأمم يقتصرون في النسب إثباتا ونفيا على مجرد الولادة الطبيعية بل لا يزالون يتصرفون بالتوسعة والتضييق وللإسلام أيضا تصرفات في ذلك كنفي الدعي والمولود من الزنا والكافر والمرتد وإلحاق الرضيع والمولود على الفراش إلى غير ذلك، وفي كلامه تعالى في ابن نوح: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ هود: 46.

وثالثا: أنه (عليه السلام) وإن لم يسأل المغفرة والرحمة صريحا لمن عصاه وإنما عرضهم للمغفرة والرحمة بقوله: ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ لكنه لا يخلو عن إيماء ما إلى الطلب لمن ترك طريقته وسيرته التي تعد الإنسان للرحمة الإلهية بحفظه من عبادة الأصنام، وهذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول الرحمة وإن لم يكن مقتضيا أيضا لذلك، وليس المراد به نفس الشرك بالله حتى ينافي سؤال المغفرة كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: 116.

هذا محصل ما يعطيه التدبر في الآيتين الكريمتين وهو في معزل عما استشكله المفسرون في أطراف الآيتين ثم ذهبوا في التخلص عنه مذاهب شتى بعيدة عن الذوق السليم.

فقد استشكلوا أولا قوله (عليه السلام): ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ من حيث إن ظاهره سؤال الحفظ عن عبادة الأصنام لنفسه ولبنيه جميعا فيكون دعاء غير مستجاب فإن قريشا من بنيه وقد كانوا وثنيين يعبدون الأصنام، وكيف يمكن أن يدعو مثل الخليل (عليه السلام) ثم لا يستجاب له؟ أم كيف يمكن أن يذكر تعالى دعاءه وهو لغو غير معني به ثم لا يذكر رده على خلاف مسلك القرآن في جميع المواضع المشابهة؟ ثم كيف يمكن أن يسأل لنفسه المصونية والعصمة عن عبادة الأصنام وهو نبي والأنبياء معصومون؟ وقد قيل في الجواب عن إشكال عدم استجابة دعائه في بنيه إن المراد ببنيه أبناؤه بلا واسطة كإسماعيل وإسحاق وغيرهما وقد استجيب دعاؤه فيهم، وقيل: المراد الموجودون من بنيه وقت الدعاء وهم موحدون، وقيل: إن الله قد استجاب دعاءه في بعض بنيه دون بعض ولا نقص فيه.

وقيل: إن المشركين من بنيه لم يكونوا يعبدون الأصنام وإنما كانوا يتخذونها شفعاء، وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأوثان دون الأصنام وبينهما فرق فإن الأصنام هي التماثيل المصورة والأوثان هي التماثيل غير المصورة، وقيل: إنهم ما كانوا يعبدون الأصنام بل كان الواحد منهم ينصب حجرا ويقول: هذا حجر والبيت حجر، فكان يدور حوله ويسمونه الدوار.

وسقوط هذه الوجوه ظاهرة: أما الأول والثاني فلكونهما خلاف ظاهر اللفظ وأما الثالث فلأن الإشكال ليس في ورود نقص على النبي بعدم استجابة دعائه أو بعضه لحكمة بل من جهة منافاته لمسلك القرآن في حكاية لغو الكلام من غير رده، وأما باقي الوجوه فلأن ملاك الضلال في عبادة الأصنام هو شرك العبادة وهو موجود في جميع ما افترضوه من الوجوه.

وقيل في الجواب عن إشكال سؤال النبي الإبعاد والإجناب عن الشرك وهو نبي معصوم: إن المراد الثبات والدوام على ذلك، وقيل إنه (عليه السلام) ذكر ذلك هضما لنفسه وإظهارا للحاجة إلى فضله تعالى، وقيل: المراد سؤال الحفظ عن الشرك الخفي وإلا فالأنبياء مصونون عن الشرك الجلي هذا.      

وهذه وجوه ردية، أما الأول فلأنه لا ينحسم به مادة الإشكال إذ العصمة والمصونية كما أنها لازمة للنبوة حدوثا لازمة لها بقاء فلو لم يصح للنبي أن يسأل حدوثها لمكان اللزوم لم يصح له أن يسأل بقاءها لذلك بعينه، والأصل في جوابهم هذا أنهم يزعمون انفصال الفيض عن المفيض واستقلال المستفيض فيما استفاضه بمعنى أن الله سبحانه إذا أفاض بشيء على شيء خرج ما أفاضه من ملكه ووقع في ملك المستفيض ولا معنى للسؤال ممن لا يملك وإذا قضى سبحانه بشيء حدوثا أو بقاء قضاء حتم لا يتغير عما هو عليه فإنه لا يتعلق على خلافه قدرة ولا مشية وهو خطأ فإن الحاجة من جانب المستفيض باقية على حالها قبل الإفاضة لا تختلف أصلا وملكه تعالى باق بعد الإفاضة على ما كان عليه قبلها ولا يزال سبحانه قادرا له أن يشاء ما يشاء وإن كان لا يشاء فيما قضى بخلافه قضاء حتم، والسؤال والطلب من آثار الحاجة لا من آثار الفقدان فافهم ذلك وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في المباحث المتقدمة مرارا.

وأما الثاني فلأن هضم النفس إنما يستقيم في غير الضروريات وأما الأمور الضرورية فلا، فلا معنى لقول القائل: لست إنسانا وهو يريد نفي الماهية هضما لنفسه اللهم إلا أن يريد نفي الكمال وكذا القول في إظهار الحاجة وهم لا يرون في الأمور الضرورية المحتومة كالعصمة في الأنبياء حاجة.

وأما الثالث فلأن الشرك الخفي هو الركون والتوجه إلى غير الله على مراتبه، وإبراهيم (عليه السلام) يعلل قوله: ﴿واجنبني﴾ إلخ بقوله ﴿إنهن أضللن﴾ إلخ فهو إنما يسأل الإبعاد من عبادة هذه الأصنام وهي الشرك الجلي دون الحفظ عن الركون والتوجه إلى غير الله تعالى اللهم إلا أن يدعى أن المراد بالصنم كل ما يتوجه إليه غير الله سبحانه، وكذا المراد بالعبادة مطلق التوجه والالتفات وهو دعوى لا دليل عليها.

ثم استشكلوا في قوله (عليه السلام) ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ من حيث اشتماله على طلب المغفرة للمشركين، ولا تتعلق المغفرة بالشرك بنص قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية.

وقد قيل في الجواب عن الإشكال: أن الشرك كان جائز المغفرة في الشرائع السابقة وإنما رفع ذلك في هذه الشريعة بقوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية فإبراهيم (عليه السلام) جرى في دعائه على ما كان عليه الأمر في شريعته.

وقيل: إن المراد: ومن عصاني فإنك غفور رحيم له بعد توبته ففي الكلام قيد محذوف، وقيل: المراد ومن عصاني وأقام على الشرك فإنك غفور رحيم بأن تنقله من الشرك إلى التوحيد فتغفر له وترحمه.

وقيل: المراد بالمغفرة والرحمة الستر على الشرك في الدنيا والرحمة بعدم معاجلة العقاب فالمعنى ومن عصاني بالإقامة على الشرك فاستر عليه ذلك وارحمه بتأخير العقاب عنه، وقيل: إن الكلام على ظاهره وكان ذلك منه (عليه السلام) قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك، ولا نقص بجهل ذلك لأن مغفرة الشرك جائزة عقلا وإنما منع منها الدليل السمعي وليس من الواجب أن يعلم بجميع الأدلة السمعية في يوم واحد، وقيل: المراد بالمعصية ما دون الشرك.

وهذه أجوبة فاسدة أما الأول فلأن دعوى كون الشرك جائز المغفرة في الشرائع السابقة دعوى لا دليل عليها بل الدليل على خلافها فقد خاطب الله آدم (عليه السلام) بمثل قوله: – وهو أول الشرائع السابقة – ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ البقرة: 39، وحكى عن المسيح (عليه السلام) وشريعته آخر الشرائع السابقة قوله: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ المائدة: 72، والتدبر في آيات القيامة والجنة والنار وفي آيات الشفاعة وفي دعوات الأنبياء المحكية في القرآن لا يدع شكا في أن الشرك لا نجاة لصاحبه بشفاعة أو غيره إلا بالتوبة قبل الموت.

وأما الثاني فلأن تقييد المغفرة والرحمة بالتوبة تقييد من غير مقيد على أن تقييد المعصية بالتوبة يفسد المعادلة في قوله: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني﴾ إلخ، فإن العاصي التائب يعود ممن تبعه ويلحق به (عليه السلام) فلا يبقى للمعادلة أزيد من طرف واحد.

وأما الثالث والرابع فلما فيهما من ارتكاب خلاف الظاهر فإن ظاهر طلب المغفرة للعاصي أن يغفر الله له حينما هو عاص لا أن يغفر الله له بعد خروجه بالتوبة عن المعصية إلى الطاعة وكذا ظاهر مغفرة العصيان رفع تبعات معصيته مطلقا أو في الآخرة، وأما رفع التبعة الدنيوية فقط فأمر بعيد عن الفهم.

وأما الخامس فهو أبعد الوجوه، وكيف يجوز الاجتراء على مثل الخليل (عليه السلام) وهو في أواخر عمره – كما تقدم – أن يجهل ما هو من واضحات المعارف الدينية ثم يجري على جهله فيشفع عند ربه للمشركين ويسأل لهم المغفرة من غير أن يستأذن الله في ذلك ولو استأذنه لأنبأه أن ذلك مما لا يكون ثم يورد الله سبحانه في كلامه ما ارتكبه من لغو الكلام جهلا ولا يرده ببيان ما هو الحق في ذلك، وقد اعتذر سبحانه عن استغفاره لأبيه المشرك ورفع عن ساحته كل غميضة فيما قال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ التوبة: 114.

وأما السادس فتقييد المعصية بما دون الشرك تقييد من غير مقيد، اللهم إلا أن يقرر بما يرجع إلى ما قدمناه.

فهذه جملة ما ذكره المفسرون في ذيل الآيتين أوردناها ملخصه وقد وقعوا فيما وقعوا لإهمالهم تحقيق القول في معنى حفظه تعالى عن الشرك، ومعنى تفرع قوله: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ إلخ على ما تقدمه.

قوله تعالى: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم﴾ إلى آخر الآية ﴿من ذريتي﴾ في تأويل مفعول ﴿أسكنت﴾ أو ساد مسده و﴿من﴾ فيه للتبعيض﴾ ومراده (عليه السلام) ببعض ذريته ابنه إسماعيل ومن سيولد له من الأولاد دون إسماعيل وحده بدليل قوله: بعد ﴿ربنا ليقيموا الصلاة﴾.

والمراد بغير ذي زرع غير المزروع وهو آكد وأبلغ لأنه يدل – كما قيل – على عدم صلاحيته لأن يزرع لكونه أرضا حجرية رملية خالية عن المواد الصالحة للزرع وهذا كقوله: ﴿قرآنا غير ذي عوج﴾.

ونسبة البيت إلى الله سبحانه لأنه مبني لغرض لا يصلح إلا له تعالى وهو عبادته، وكونه محرما هو ما جعل الله له من الحرمة تشريعا والظرف أعني قوله ﴿عند بيتك المحرم﴾ متعلق بقوله ﴿أسكنت﴾.

وهذه الجملة من دعائه (عليه السلام) أعني قوله: ﴿ربنا إني أسكنت – إلى قوله – المحرم﴾ من الشاهد على ما قدمناه من أنه (عليه السلام) إنما دعا بهذا الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة وبنى الناس بلدة مكة وعمروها كما أن من الشاهد عليه أيضا قوله: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾.

وبذلك يندفع ما ربما يستشكل فيقال: كيف سماه بيتا وقال أسكنت من ذريتي عنده ولم يبنه بعد؟ كأن السائل يقدر أنه إنما دعا به يوم أتى بإسماعيل وأمه إلى أرض مكة وكانت أرضا قفراء لا أنيس بها ولا نبت.

ولا حاجة إلى دفعه بأنه كان يعلم بما علمه الله أنه سيبني هناك بيتا لله أو بأن البيت كان قبل ذلك وإنما خربه بعض الطوائف أو رفعه الله إلى السماء في الطوفان وليت شعري إذا اندفع بهما هذا الإشكال فكيف يندفع بهما ما يتوجه من الإشكال على هذا التقدير إلى ظاهر قوله رب اجعل هذا البلد آمنا وظاهر قوله: ﴿وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق﴾.

وقوله: ﴿ربنا ليقيموا الصلاة﴾ بيان لغرضه من إسكانهم هناك، وهو بانضمام ما تقدم من قوله: ﴿بواد غير ذي زرع﴾ وما يعقبه من قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات﴾ يفيد أنه (عليه السلام) إنما اختار واديا غير ذي زرع أعزل من أمتعة الحياة من ماء عذب ونبات ذي خضرة وشجر ذي بهجة وهواء معتدل خاليا من السكنة ليتمحضوا في عبادة الله من غير أن يشغلهم شواغل الدنيا.

وقوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ إلخ من الهوي بمعنى السقوط أي تحن وتميل إليهم بالمساكنة معهم أو بالحج إلى البيت فيأنسوا بهم، وارزقهم من الثمرات، بالنقل إليهم تجارة لعلهم يشكرون.

قوله تعالى: ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن﴾ إلى آخر الآية معناه ظاهر، وقوله: ﴿وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء﴾ من تمام كلام إبراهيم (عليه السلام) أو من كلامه تعالى، وعلى الأول ففي قوله: ﴿على الله﴾ التفات وجهه الإشارة إلى علة الحكم كأنه قيل: إنك تعلم ما نخفي وما نعلن لأنك الله الذي ما يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يبعد أن يستفاد من هذا التعليل أن المراد بالسماء ما هو خفي علينا غائب عن حسنا والأرض بخلافه فافهم ذلك.

قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء﴾ كالجملة المعترضة بين فقرات دعائه دعاه إلى إيراده تذكره في ضمن ما أورده من الأدعية عظيم نعمة الله عليه إذ وهب له ولدين صالحين مثلهما بعد ما انقطع عنه الأسباب العادية المؤدية إلى ظهور النسل، وأنه إنما وهبهما له باستجابة دعائه للولد فحمد الله على ما وهبهما وأثنى عليه على استجابة دعائه في ذلك.

قوله تعالى: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء الكلام﴾ في استناد إقامته الصلاة إلى الله سبحانه نظير الكلام في استناد إجنابه أن يعبد الأصنام فإن لإقامة الصلاة نسبة إليه تعالى بالإذن والمشية كما أن لها نسبة إلى العبد بالتصدي والعمل وقد مر الكلام فيه.

وهذه الفقرة ثاني دعاء يشترك فيه هو (عليه السلام) وذريته ويعقب في الحقيقة قوله أولا: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ كما يلحق به دعاؤه الثالث المشترك فيه: ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين﴾.

وقد أفرد نفسه في جميع الفقرات الثلاث عن غيره إذ قال: ﴿واجنبني﴾ ﴿واجعلني مقيم الصلاة﴾ ﴿اغفر لي﴾ لأن مطلوبه لحوق ذريته به كما قال في موضع آخر: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ الشعراء: 84 وفي موضع آخر كما حكاه الله بقوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي﴾ البقرة: 124.

وأما قوله في الفقرة الأولى ﴿واجنبني وبني﴾ وهاهنا ﴿اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي﴾ فقد تقدم أن المراد ببنيه بعضهم لا جميعهم فتتطابق الفقرتان.

ومن تطابق الفقرتين أنه أكد دعاءه في هذه الفقرة بقوله: ﴿ربنا وتقبل دعاء﴾ فإن سؤال تقبل الدعاء إلحاح وإصرار وتأكيد كما أن التعليل في الفقرة الأولى، بقوله: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾ تأكيد في الحقيقة لما فيها من الدعاء، بقوله: ﴿واجنبني﴾ إلخ.

قوله تعالى: ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾ ختم (عليه السلام) دعاءه – وهو آخر ما ذكر من دعائه في القرآن الكريم كما تقدم – بطلب المغفرة للمؤمنين يوم القيامة ويشبه آخر ما دعا به نوح (عليه السلام) مما ذكر في القرآن: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ نوح: 28.

وفي الآية دليل على أنه (عليه السلام) لم يكن ولد آزر المشرك لصلبه فإنه (عليه السلام) – كما ترى – يستغفر لوالديه وهو على الكبر وفي آخر عهده ﴿وقد تبرأ من آزر في أوائل عهده بعد ما استغفر له عن موعدة وعده إياه﴾ قال تعالى: ﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ مريم: 47، وقال: ﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالين﴾ الشعراء: 86، وقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ التوبة: 114 وقد تقدم تفصيل القول في قصصه (عليه السلام) في سورة الأنعام في الجزء السابع من الكتاب.

ومن لطيف ما في دعائه (عليه السلام) اختلاف النداء المكرر الذي فيه بلفظ ﴿رب﴾ و﴿ربنا﴾ والعناية فيما أضيف إلى نفسه بما يختص بنفسه من السبقة والإمامة، وفيما أضيف إلى نفسه وغيره إلى المشتركات.

بحث روائي:

في الدر المنثور، أخرج أبو نعيم في الدلائل عن عقيل بن أبي طالب: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة فدعاهم إلى الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه فقرأ من سورة إبراهيم: ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا – واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ إلى آخر السورة فرق القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه.

وفي تفسير العياشي، عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أحبنا فهو منا أهل البيت فقلت: جعلت فداك منكم؟ قال: منا والله أ ما سمعت قول الله وهو قول إبراهيم (عليه السلام): ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾.

وفيه، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من اتقى الله منكم وأصلح فهو منا أهل البيت قال: منكم أهل البيت؟ قال: منا أهل البيت قال فيها إبراهيم: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ قال عمر بن يزيد: قلت له: من آل محمد؟ قال إي والله من آل محمد إي والله من أنفسهم أما تسمع قول الله تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم – للذين اتبعوه﴾ وقول إبراهيم: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾.

أقول: وقد ورد في بعض الروايات أن بني إسماعيل لم يعبدوا صنما قط إثر دعاء إبراهيم: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، وأنهم إنما قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله والظاهر أن الرواية موضوعة، وقد تقدمت الإشارة إليه في البيان السابق.

وكذا ما ورد في بعض الروايات من طرق العامة والخاصة أن أرض الطائف كانت في الأردن من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم (عليه السلام) لبنيه بقوله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ أمر الله بها فسارت بترابها إلى مكة فطافت على البيت سبعة أشواط ثم استقرت حيث الطائف الآن.

وهذا وإن كان ممكن الوقوع في نفسه من طريق الإعجاز لكن لا يكفي لثبوته أمثال هذه الروايات الضعيفة والمرسلة على أن هذه الآيات في مقام الامتنان ولو قارن هذا الدعاء واستجابته تعالى له مثل هذه الآية العظيمة العجيبة والمعجزة الباهرة لأشير إليها مزيدا للامتنان.

والله أعلم.

وفي مرسلة العياشي، عن حريز عمن ذكره عن أحدهما (عليهما السلام): أنه كان يقرأ ﴿رب اغفر لي ولولدي﴾ يعني: إسماعيل وإسحاق، وفي مرسلته الأخرى عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): مثله وظاهر هذه الرواية أن القراءة مبنية على كفر والد إبراهيم والروايتان ضعيفتان لا يعبأ بهما.

المصدر: الميزان في تفسير القرآن

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: