الأماكن الأثرية في المدينة المنوّرة

المساجد والأماكن الأثرية في المدينة المنوّرة 

«اللّهمّ حبِّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ» رسول الله (ص)

مقدمة:

بما أنّ للمدينة المنوّرة فضلا كبيراً على المسلمين، لأنّها مهاجر الرسول الكريم محمّد (ص)، وعاصمة الإسلام الأولى، ومنها انطلق الإسلام إلى الآفاق، وعمّ بنوره البشريّة، وأنقذ مَن هداه الله سبحانه من الشرك والضلالة إلى التوحيد والهداية، لذلك لابدّ من معرفة معالمها المهمّة، وآثارها الرائعة.

وقد رأيت أنّ أكثر الزائرين لطيبة الطيبة لا يعرف عنها سوى المسجد النبوي الشريف، والبقيع، والمزارات الأربعة المشهورة، وهي (مسجد قباء، ومسجد القبلتين، والمساجد السبعة، وشهداء أُحد)، علماً أنّ قسماً منهم لا يعرف حتّى هذه المزارات الأربعة إلاّ بعد سماعه عنها من أصحابه، أو من بعض سائقي السيارات عندما يرفعون أصواتهم بعبارة (زيارة يا حاج).

أمّا بقية المساجد والأماكن الأثرية الأخرى فاعتقد أنّ أغلب زوّار هذه المدينة العزيزة إن لم يكن كلّهم لا يعرف أو لم يسمع عن بعضها، مع كثرة زياراته للمدينة المنوّرة.

وكيف تُجهل هذه المساجد والأماكن التي كانت عامرة بنزول الوحي عليه السلام، أو كونها مصلّى أو مقيل أو مبيت النبي (ص)؟

فتجوّل زوّارها في ربوعها يعيد إلى أذهانهم الذكريات العطرة، والصور الرائعة للسيرة النبويّة على هذه الأرض المباركة، ممّا يثلج صدورهم، ويسعد نفوسهم، ويزيد إيمانهم. لذلك رأيت أنّ من الضروري إخراج كتاب لينتفع به الزوّار. والمنهج الذي اتّبعته فيه هو: تصوير هذه المساجد والأماكن لسهولة التعرّف عليها أوّلا، وللحفاظ على صورتها خشية اندثارها ثانياً، ثمّ إيضاح أماكنها، والتعليق عليها. وقد رتّبتها من حيث القرب والبعد عن مسجد الرسول (ص)، مراعياً في ذلك موقعها في اتّجاه واحد، ووضعت خريطة تبيّن أماكنها، وتسلسل أرقامها؛ ليستطيع الزائر الوصول إليها بسهولة ويسر، كما أني حرصت على ذكر المساجد التي ثبت أنّ النبي (ص) صلّى فيها، وختمتُ الكتاب بوضع أربعة فهارس له، راجياً من الله تعالى العون والسداد والتوفيق لما يحبّه ويرضاه، إنّه نِعم المولى ونِعم النصير.

1- مسجد المصلّى (الغمامة)

يقع هذا المسجد إلى الغرب من مسجد النبي (ص)، ويبعد عنه حوالي أربعمائة متر، وتقام فيه الصلوات الخمس عدا صلاة الجمعة.

وكان يسمّى بـ (مسجد المصلّى)، لأن أكثر صلاة النبي (ص) للعيدين فيه(1)، ثمّ سمّي بـ(مسجد الغمامة)، ولا يُعرف عند أغلب الناس في الوقت الحاضر إلاّ بهذا الاسم. ويُروى أن المصطفى (ص) خرج إلى المصلّى فقال: «هذا مُستَمطَرنا ومُصلاّنا لفِطرنا وأُضحانا، فلا يضيق ولا ينقص علينا»(2).

2- مسجد الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)

موقع هذا المسجد بالقرب من مسجد الغمامة في الشمال الغربي منه، ويبعد عنه بمسافة تقدّر بتسعين متراً تقريباً. ولقد ذكرت بعض كتب تاريخ المدينة(3): أنّ النبيّ (ص) صلّى في مكان هذا المسجد سنة أو سنتين، وقد تغنّى بعض الشعراء بالمصلّى، واشتاقوا إلى ما حوله من مساكن، قال أحدهم:

فكم من حرّة بين المصلّى
إلى الجماء من خدّ أسيل

***

***

إلى أُحد إلى ما حاز ريم
نقيّ اللون ليس به كلوم

وقال آخر:

ليت شعري هل العقيق فسلع

***

فقصور الجماء فالعرصتان

فإلى مسجد الرسول فما حا

***

ز المصلّى فجانبا بطحان

فبنوا مازن كعهدي أم لي

***

سوا كعهدي في سالف الأزمان(4)

 وهذا المسجد أكبر من سابقه، وقد جدّد حديثاً.

3- مسجد السقيا

مكان هذا المسجد غرب المسجد النبوي، ويبعد عنه حوالي كيلومترين ومائة متر، ويتميز بقبابه الثلاث، والوسطى أكبرها، وهو الآن داخل سور محطة السكة الحديدية – التي يطلق عليها عند عامة الناس اسم (الاستصيون) – في الجهة الجنوبيّة منه.

وبُني هذا المسجد في مكان قبّة الرسول (ص) عند خروجه لغزوة بدر، واستعراض جيشه(5)، ووعده الله – تعالى – أن تكون إحدى الطائفتين له، إما العير أو النفير، بقوله سبحانه: (وإذ يعدُكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحقّ الحقّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين)(6).

وقد صلّى النبيّ (ص) فيه ودعا الله أن يبارك للمدينة في مدّها وصاعها(7). وكانت إلى الجنوب من هذا المسجد بئر السقيا، التي كان يُستعذب من مائها لرسول الله (ص)، وقد دُفنت ولم يبق لها أثر(8).

4- مسجد المنارتين

يقع هذا المسجد إلى الغرب من مسجد السقيا، ويبعد عنه بمسافة تقدّر بكيلومتر واحد، وهو قبل محطة العواجي (الخضر) للبنزين بمائة متر، على يمين الذاهب على طريق مكة القديم. وهو الآن متروك، والمتبقي منه عبارة عن بناء حجري شبه مقفل، ولا يمكن الصلاة فيه؛ لأنه لم يُهيأ لذلك. وقد صلّى النبي(ص) في مكانه، فلذلك بُني هذا المسجد(9).

قال الأستاذ غالي الشنقيطي في كتابه الدر الثمين(10): «وعلى يسار طريق جدّة يوجد مسجد المنارتين، وقد قيل: إنّ النبيّ (ص) صلّى في مكانه فلهذا بني ثَم مسجد، وهو الآن جديد البناء وجميل وكبير تقام فيه الصلوات الخمس».

وقد توهّم في ذلك، لأنّ المسجد يقع على يمين طريق جدّة – مكّة، كما أنّه لم يجدّد لحدّ الآن، ولم تقم فيه الصلوات.

5- مسجد الإجابة

يقع هذا المسجد إلى الشمال الشرقي من المسجد النبوي، ويبعد عنه بمسافة تقدّر بستمائة وخمسين متراً، ويطلق على اسم الشارع الذي يمرّ بالقرب منه شارع الستين.

وكان هذا المسجد لبني معاوية(11) من الأوس، وعُرف هذا المسجد باسمهم، لكنّه اشتهر الآن بمسجد الإجابة؛ لأنّ الله تعالى استجاب لنبيّه (ص) فيه، فروي «أنّ رسول الله (ص) أقبل ذات يوم من العالية حتّى إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلّينا معه، ودعا ربّه طويلا ثمّ انصرف إلينا، فقال: سألت ربّي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالسّنة(12) فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها»(13).

وقال ابن شبه(14): «صلّى الرسول (ص) في مسجد بني معاوية ركعتين، ثمّ قام فناجى ربّه ثم انصرف».

وقيل: إنّ النبيّ (ص) صلّى فيه عن يمين المحراب قدر ذراعين، وقد اُهتم بهذا المسجد، وجدّد في الأزمنة السابقة مرّات عديدة(15)، وقيل: إنّ المباهلة بين النبيّ محمّد (ص)، ووفد نصارى نجران، وقعت في هذا المسجد، وذلك عندما أمر الله – تعالى – رسوله (ص) بملاعنتهم، لكنهم تراجعوا في اللحظة الأخيرة، ورفضوا الملاعنة(16).


1– آثار المدينة: 82، والدر الثمين: 227.

2– تحقيق النصرة: 142، وآثار المدينة: 82، والدر الثمين: 227.

3– تحقيق النصرة: 142، ووفاء الوفا 2: 782، والدر الثمين: 228 – 229.

4– الدر الثمين: 229.

5– تاريخ معالم المدينة المنوّرة 1: 72، ووفاء الوفا 2: 972.

6– الأنفال 8: 7.

7– وفاء الوفا 2: 844، والدر الثمين: 228.

8– قيل: إنه كان يفصل بينها وبين المسجد طريق مكة القديم، ينظر: آثار المدينة: 92، وقيل: إنه يمر فوقها الطريق المذكور، ينظر: الدر المنثور: 228، والله أعلم بالصواب.

9– تحقيق النصرة 1: 129، ووفاء الوفا 2: 878، وعمدة الأخبار: 198.

10– ص 228.

11– تحقيق النصرة: 129، وعمدة الأخبار: 176، وآثار المدينة: 94.

12– السّنة: الجدب، وهو انقطاع المطر، ويبوسة الأرض، ينظر: المصباح المنير (السين مع النون) 1: 297، و(الجيم مع الدال) 1: 126.

13– أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة 4: 2216، حديث رقم 2890، والطبراني في الصغير 1: 8.

14– تاريخ المدينة المنورة 1: 68.

15– الدر الثمين: 152.

16– سيرة ابن هشام 2: 160.
Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: