مقام إبراهيم وموضعه في السنة

مقام إبراهيم وموضعه في السنة والتاريخ

 1 – الإمام الصادق (ع): إنّ اللّهَ فَضّلَ مَكّةَ وجَعَلَ بَعضَها أفضَلَ مِن بَعضٍ، فَقالَ: (واتّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلّى)(1)(2).

2 – زُرارَة: قُلتُ لِأَبي جَعفَرٍ(ع): قَد أدرَكتَ الحُسَينَ(ع)؟ قالَ: نَعَم، أذكُرُ وأنَا مَعَهُ فِي المَسجِدِ الحَرامِ وقَد دَخَلَ فيهِ السّيلُ والنّاسُ يَقومونَ عَلَى المَقامِ، يَخرُجُ الخارِجُ يَقولُ: قَد ذَهَبَ بِهِ السّيلُ! ويَخرُجُ مِنهُ الخَارِجُ فَيَقولُ: هُوَ مَكانَهُ!

قالَ: فَقالَ لي: يا فُلانُ، ما صَنَعَ هؤُلاءِ؟ فَقُلتُ: أصلَحَكَ اللّهُ، يَخافونَ أن يَكونَ السّيلُ قَد ذَهَبَ بِالمَقامِ، فَقالَ: نادِ أنّ اللّهَ تَعالى‏ قَد جَعَلَهُ عَلَمًا لَم يَكُن لِيَذهَبَ بِهِ، فَاستَقِرّوا. وكانَ مَوضِعُ المَقامِ الّذي وَضَعَهُ إبراهيمُ(ع) عِندَ جِدارِ البَيتِ، فَلَم يَزَل هُناكَ حَتّى‏ حَوّلَهُ أهلُ الجاهِلِيّةِ الَى المَكانِ الّذي هُوَ فيهِ اليَومَ، فَلَمّا فَتَحَ النّبِيّ(ص) مَكّةَ رَدّهُ إلَى المَوضِعِ الّذي وَضَعَهُ إبراهيمُ(ع)، فَلَم يَزَل هُناكَ إلى‏ أن وُلّيَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ فَسَأَلَ النّاسَ: مَن مِنكُم يَعرِفُ المَكانَ الّذي كانَ فيهِ المَقامُ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنَا قَد كُنتُ أخَذتُ مِقدارَهُ بِنِسعٍ‏(3)، فَهُوَ عِندي، فَقالَ: اِئتِني بِهِ، فَأَتاهُ بِهِ، فَقاسَهُ ثُمّ رَدّهُ إلى‏ ذلِكَ المَكانِ‏(4).

3 – الإمام الصادق (ع): لَمّا أوحَى اللّهُ تَعالى‏ إلى‏ إبراهيمَ(ع) أن أذّن فِي النّاسِ بِالحَجّ أخَذَ الحَجَرَ الّذي فيهِ أثَرُ قَدَمَيهِ – وهُوَ المَقامُ – فَوَضَعَهُ بِحِذاءِ البَيتِ لاصِقًا بِالبَيتِ بِحِيالِ المَوضِعِ الّذي هُوَ فيهِ اليَومَ، ثُمّ قامَ عَلَيهِ فَنادى‏ بِأَعلى‏ صَوتِهِ بِما أمَرَهُ اللّهُ تَعالى‏ بِهِ، فَلَمّا تَكَلّمَ بِالكَلامِ لَم يَحتَمِلهُ الحَجَرُ، فَغَرِقَت رِجلاهُ فيهِ، فَقَلَعَ إبراهيمُ(ع) رِجلَيهِ مِنَ الحَجَرِ قَلعًا. فَلَمّا كَثُرَ النّاسُ وصاروا إلَى الشّرّ والبَلاءِ ازدَحَموا عَلَيهِ فَرَأَوا أن يَضَعوهُ في هذَا المَوضِعِ الّذي هُوَ فيهِ اليَومَ، لِيَخلُوَ المَطافُ لِمَن يَطوفُ بِالبَيتِ. فَلَمّا بَعَثَ اللّهُ تَعالى‏ مُحَمّدًا(ص) رَدّهُ إلَى المَوضِعِ الّذي وَضَعَهُ فيهِ إبراهيمُ(ع)، فَما زالَ فيهِ حَتّى‏ قُبِضَ رَسولُ‏اللّهِ(ص) وفي زَمَنِ أبي‏بَكرٍ وأوّلِ وِلايَةِ عُمَرَ، ثُمّ قالَ عُمَرُ: قَدِ ازدَحَمَ النّاسُ عَلى‏ هذَا المَقامِ، فَأَيّكُم يَعرِفُ مَوضِعَهُ فِي الجاهِلِيّةِ؟ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أنَا أخَذتُ قَدرَهُ بِقَدرٍ. قالَ: والقَدرُ عِندَكَ؟ قالَ: نَعَم، قالَ: فَائتِ بِهِ، فَجاءَ بِهِ فَأَمَرَ بِالمَقامِ فَحُمِلَ، ورُدّ إلَى المَوضِعِ الّذي هُوَ فيهِ السّاعَةَ(5).

فائدة حول مقام إبراهيم

إنّ مقام إبراهيم من الآيات الإلهيّة البيّنة. والرأي المشهور هو أنّ هذه الصخرة المعروفة نفسها، التي تقع بالقرب من الكعبة، اتّخذها إبراهيم مقامًا عندما كان يرفع القواعد من البيت. وفي هذه الصخرة يُرى‏ أثر قَدم إنسان بوضوح. وهذا بذاته معجزة وآية إلهيّة بيّنة، فكيف يترك قدم الإنسان أثرًا في جسمٍ صلب صلد؟! وكيف يبقى‏ هذا لسنوات طويلة رغم السيول والحروب والغارات؟!

ونُقلت ثلاثة أقوال اُخرى‏ في تفسير مقام إبراهيم عن ابن عبّاس ومجاهد وعطاء(6)، ولكنّ الروايات تؤيّد الرأي المشهور.

وهناك اختلاف في الرأي حول زمن حصول هذه المعجزة وقيام إبراهيم على هذه الصخرة:

فبعضٌ يجعله عندما كان إبراهيم(ع) يبني الكعبة ويرفع قواعد البيت، ويرى هذا الفريق من المؤرّخين أنّ إبراهيم كان يقف عليها ليتمكّن من بناء القسم العُلويّ لجدار الكعبة(7).

ويذهب الفريق الثاني إلى‏ أنّ إبراهيم(ع) وقف على هذه الصخرة لإعلان الحجّ، امتثالًا للأمر الإلهيّ: (وأذّن فِي النّاسِ بِالحَجّ)(8). وهناك أقوال اُخرى في هذا المجال أيضًا(9)؛ من بينها قول القفّال: يُحتمل أنّ هذه الصخرة كان يستخدمها إبراهيم(ع) في كلّ الوقائع المذكورة(10).

فائدة حول موضع المقام

إنّ تغيير مكان (مقام إبراهيم) هو من مسلّمات التاريخ‏(11)، وقد ورد في كثير من كتب السّيَر والحديث والتاريخ أنّه أقرب إلى الكعبة من موضعه الفعليّ أو مُلْصَق بها(12).

ولكن طبقًا لبعض الأحاديث، فإنّه تمّ إبعاده أوّلًا زمن الجاهلية، ثمّ قام الرسول الأكرم(ص) بإرجاعه بعد فتح مكّة إلى موضعه الأصليّ الذي وضعه النبيّ إبراهيم(ع) فيه‏(13)، ثمّ نقله عمر إلى مكانه الفعليّ الذي يستقرّ فيه‏(14).

أمّا سبب نقله فيختلفون فيه: كذهاب السيل بالمقام‏(15)، أو لأجل توسيع المطاف‏(16)، أو خشية أن يطأه الطائفون بأقدامهم‏(17).


1 البقرة: 125.
2 كامل الزيارات: 59/38 عن مرازم، وراجع وسائل الشيعة: 5/270/الباب 52؛ كنزالعمّال: 12/195 و235 و236 و258 و270.
3 النّسعة – بالكسر -: سَيرٌ مضفور يُجعل زمامًا للبعير وغيره، وقد تُنسج عريضةً تُجعل على صدر البعير، والجمع: نُسْع ونِسَع وأنساع (النهاية: 5/48).
4 الكافي: 4/223/2.
5 علل الشرائع: 423/1 عن عمّار بن موسى أو عن عمّار عن سليمان بن خالد.
6 التبيان: 1/453؛ تفسير الطبريّ: 1/536.
7  أخبار مكّة للفاكهيّ: 1/454/995، أخبار مكّة للأزرقيّ: 1/59، تفسير البغويّ: 1/114، تاريخ‏الطبريّ: 1/260؛ روضة المتّقين: 4/114.
8 أخبار مكّة للفاكهيّ: 1/451/990، أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/29 و30؛ مجمع البيان: 7/128، وراجع الكافي: 4/206/6.
9 أخبار مكّة للفاكهيّ: 1/450/988، مثير الغرام الساكن لابن الجوزيّ: 312.
10 تفسير غرائب القرآن (بهامش تفسير الطبريّ): 1/395.
11 أخبار مكّة للفاكهيّ: 1/455/998؛ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام: 1/207، البحار: 99/230/4.
12 وسائل الشيعة: 13/423 ذيل الحديث 18112؛ الطبقات الكبرى: 3/284، فتح الباري: 6/406 ضمن شرح الحديث 3365، مثير الغرام الساكن لابن الجوزيّ: 313، شرح نهج البلاغة: 12/75، تاريخ الخلفاء: 160.
13 الكافي: 4/223/2 و ج 4/59، علل الشرائع: 423/1.
14 الكافي: 4/223/2 وج 4/59، علل الشرائع: 423/1.
15 أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/33 – 35، أخبار مكّة للفاكهيّ: 1/456/1000.
16  فتح الباري: 3/169؛ علل الشرائع: 423/1.
17– أخبار مكّة للفاكهيّ: 1/454/995.
%d مدونون معجبون بهذه: