حدود المسجد الحرام

حَدود المَسجِدِ الحَرام

1-الإمام الصادق (ع): كانَ حَقّ‏(1) إبراهيمَ (ع) بِمَكّةَ ما بَينَ الحَزوَرَةِ(2) إلَى المَسعى‏، فَذلِكَ الّذي كانَ خَطّهُ ابراهيمُ(ع)، يَعنِي المَسجِدَ(3).

2-الحُسَينُ بنُ نَعيم: سَأَلتُ أبا عَبدِاللّهِ(ع) عَمّا زادوا فِي المَسجِدِ الحَرامِ عَنِ الصّلاةِ فيهِ، فَقالَ: إنّ إبراهيمَ واسماعيلَ(ع) حَدّا المَسجِدَ ما بَينَ الصّفا والمَروَةِ، فَكانَ النّاسُ يَحُجّونَ مِنَ المَسجِدِ إلَى الصّفا(4).

3-عَبدُ الصّمَدِ بنُ سَعد: طَلَبَ أبو جَعفَرٍ (5) أن يَشتَرِيَ مِن أهلِ مَكّةَ بُيوتَهُم أن يَزيدَهُ فِي المَسجِدِ فَأَبَوا، فَأَرغَبَهُم فَامتَنَعوا، فَضاقَ بِذلِكَ، فَأَتى‏ أبا عَبدِاللّهِ (ع) فَقالَ لَهُ: انّي سَأَلتُ هؤُلاءِ شَيئًا مِن مَنازِلِهِم وأفنِيَتِهِم لِنَزيدَ فِي المَسجِدِ وقَد مَنَعوني ذلِكَ، فَقَد غَمّني غَمّا شَديدًا. فَقالَ أبو عَبدِ اللّهِ(ع): أيَغُمّكَ ذلِكَ وحُجّتُكَ عَلَيهِم فيهِ ظاهِرَةٌ؟ فَقالَ: وبِمَ أحتَجّ عَلَيهِم؟ فَقالَ: بِكِتابِ اللّهِ، فَقالَ: في أيّ مَوضِعٍ؟ فَقالَ: قَولُ اللّهِ: (إنّ أوّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذي بِبَكّةَ)(6)، قَد أخبَرَكَ اللّهُ أنّ أوّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ هُوَ الّذي بِبَكّةَ، فَإِن كانوا هُم تَوَلّوا قَبلَ البَيتِ فَلَهُم أفنِيَتُهُم، وإن كانَ البَيتُ قَديمًا قَبلَهُم فَلَهُ فِناؤُهُ. فَدَعاهُم أبو جَعفَرٍ فَاحتَجّ عَلَيهِم بِهذا، فَقالوا لَهُ: اِصنَع ما أحبَبتَ‏(7).

4-الحَسَنُ بنُ عَلِيّ بنِ النّعمان: لَمّا بَنَى المَهدِيّ فِي المَسجِدِ الحَرامِ بَقِيَت دارٌ في تَربيعِ المَسجِدِ، فَطَلَبَها مِن أربابِها فَامتَنَعوا، فَسَأَلَ عَن ذلِكَ الفُقَهاءَ، فَكُلّ قالَ لَهُ: إنّهُ لا يَنبَغي أن يُدخِلَ شَيئًا فِي المَسجِدِ الحَرامِ غَصبًا. فَقالَ لَهُ عَلِيّ ابنُ يَقطينٍ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، لَو كَتَبتَ إلى‏ موسَى بنِ جَعفَرٍ (ع) لَأَخبَرَكَ بِوَجهِ الأَمرِ في ذلِكَ. فَكَتَبَ إلى‏ والِي المَدينَةِ أن يَسأَلَ موسَى بنَ جَعفَرٍ عَن دارٍ أرَدنا أن نُدخِلَها فِي المَسجِدِ الحَرامِ، فَامتَنَعَ عَلَينا صاحِبُها، فَكَيفَ المَخرَجُ مِن ذلِكَ؟ فَقالَ ذلِكَ لِأَبِي الحَسَنِ (ع).

فَقالَ أبُو الحَسَنِ (ع): ولابُدّ مِنَ الجَوابِ في هذا؟

فَقالَ لَهُ: الأَمرُ لابُدّ مِنهُ.

فَقالَ لَهُ: اُكتُب: بِسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، إن كانَتِ الكَعبَةُ هِيَ النّازِلَةَ بِالنّاسِ فَالنّاسُ أولى‏ بِفِنائِها، وإن كانَ النّاسُ هُمُ النّازِلونَ بِفِناءِ الكَعبَةِ فَالكَعبَةُ أولى‏ بِفِنائِها. فَلَمّا أتَى الكِتابُ إلَى المَهدِيّ أخَذَ الكِتابَ فَقَبّلَهُ ثُمّ‏َ أمَرَ بِهَدمِ الدّارِ، فَأَتى‏ أهلُ الدّارِ أبَا الحَسَنِ(ع) فَسَأَلوهُ أن يَكتُبَ لَهُم إلَى المَهدِيّ كِتابًا في ثَمَنِ دارِهِم، فَكَتَبَ إلَيهِ أن أرضَخَ‏(8) لَهُم شَيئًا، فَأَرضاهُم‏(9).

فائدة حول حدود المسجد الحرام

عيّن إبراهيم(ع) حدود المسجد الحرام‏(10). لكنّ عرب الجاهليّة أهملوها فاُنسِيَت. وعَمَد المكّيون إلى‏ بناء المنازل في الحرم وداخل المسجد(11). ثمّ لمّا تزايد عدد المسلمين بالمدّ الإسلاميّ، برزت ضرورة توسعة المسجد والعودة به إلى‏ حدوده الاُولى؛ فأوّل توسعة كانت على يد رسول اللّه (ص)(12)، ثمّ سنة 17ه في عهد عمر(13)، وسنة 26 ه في حكم عثمان‏(14). وزاد عبداللّه بن الزبير – لدى‏ تجديد بناء الكعبة عام 65ه – في صحن المسجد شمالًا وجنوبًا، فبلغت حدوده من جهة الجنوب إلى‏ ناحية الصفا وباب بني مخزوم، ومن الشمال زاد في المسجد بين حِجر إسماعيل ودار الندوة إلى‏ دار شيبة بن عثمان‏(15).

وفي العهد العبّاسيّ وسّع المنصور المسجد سنة 137 ه من الشمال والجنوب، حتّى انتهى‏ إلى‏ باب بني سهم‏(16). وفي أوّل زيادة زادها المهديّ سنة 161 ه هدم الدّور بين المسجد والمسعى‏ وجعل المسعى‏ حدّا للمسجد. وفي سنة 167 هـ وسّع المسجد من جميع جهاته، ووسّط فيه الكعبة، حتّى‏ بلغ من جهة الشرق ومن جهة الغرب حدّه الأوّل‏(17)؛ ذلك أنّ إبراهيم(ع) كان قد جعل المسعَى الحدّ الشرقيّ للمسجد، وجعل حَزوَرة حدّه الغربيّ. وحَزوَرة هي سوق الحنّاطين، التي هي الحدّ الغربيّ في توسعة المهديّ العبّاسيّ.

واستنادًا إلى‏ هذا – و كما يُفهم أيضًا من جواب الإمام الصادق(ع) في الروايتين (101) و (102) من هذا الفصل – فإنّ المساحات التي زيدت يجري عليها حكم المسجد الحرام، بل إنّ قسمًا منها لا يُعدّ زيادة. ويرى الإمام الكاظم(ع) – كما كان الإمام الصادق(ع) أيضًا – أنّ هذه المساحة هي جزء من المسجد الحرام في حدوده الاُولى‏، وقد عدّ بناء المكّيين بيوتهم فيها غصبًا لأرض المسجد، فلا يلزم تحصيل رضى‏ أربابها. وهذا المعنى‏ يستفاد من الروايتين (103) و (104)(18).

وبعد التوسعة العبّاسيّة التي كان آخرها في زمان المقتدر باللّه حدثت توسعتان سعوديّتان في سنتي 1375 ه و 1409 ه، زادتا في مساحة المسجد الحرام عدّة أضعاف تجاوزت الحدود الاُولى. ولذا يحتاط بعض الفقهاء في انطباق الأحكام الخاصّة بالمسجد الحرام على‏ هذه الزيادات الأخيرة، ولكن يجعله بعضهم احتياطًا مستحبّا؛ لأنّ الصدق العرفيّ للمسجد الحرام علَى الزيادات كافٍ لجري الأحكام‏(19).

1 الظاهر أنّ الصحيح «خطّ» كما في وسائل الشيعة: 5/277/6539، وراجع الفقيه: 2/232/2281.

2 راجع ملحقات أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/294، أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/87ذيل الحديث 1179.

3 الكافي: 4/527/10 عن عبداللّه بن سنان؛ أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/87/1179 عن أبي هريرة مقطوعًا.

4 التهذيب: 5/453/1584، الكافي: 4/209/11 عن الحسن بن نعمان نحوه.

5 هو المنصور، الخليفة العبّاسيّ.

6 آل عمران: 96.

7 تفسير العيّاشيّ: 1/185/89.

8 الرّضْخ: العطيّة القليلة (لسان العرب: 3/19).

9 تفسير العيّاشيّ: 1/185/90.

10 راجع الحديث 101.

11 تاريخ اليعقوبيّ: 1/239؛ الطبقات الكبرى: 1/70.

12 ربيع الأبرار: 1/365.

13 أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/157، أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/69.

14 أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/158، أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/69.

15 أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/159، أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/70.

16 أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/162، أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/72.

17 أخبار مكّة للفاكهيّ: 2/165 – 174، أخبار مكّة للأزرقيّ: 2/74 – 81.

18 راجع وسائل الشيعة: 13/217/17594 و 17595.

19 العروة الوثقى: 1/768 أحكام صلاة المسافر، الفصل 69، المسألة 11.
Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: