النواحي العمرانية لمكة المكرمة

النواحي العمرانية لمكة على مرّ العصور

 أولا: الناحية العمرانية في عهد قريش:

إن العمران في مكّة لم يزد عن مضارب من الشعر، كانت تتلاصق أو تتباعد في حواشي الوادي، وبين ليات جباله، وما إن أَطلّ العهد الذي ندرسه – عهد حكومة قريش – حتى كانت المضارب من الشعر قد حلّت محلّها البيوت المرصوصة بالحجر، أو المبنيّة بالطين والحجر فيما يحاذي المسجد، أو بالطين التي وحده على حوافي الأباطح في أعلى مكة، أو على شواطئ المسيل في أسفلها.

وكان سعيد بن عمرو السهمي أوّل مَن بنى بيتاً بمكّة، وقد قيل فيه:

وأوّل من بوّا بمكّة بيتَه *** وسوّر فيها مسكناً بأثافي

وكانوا يبنونها بحيث لا تستوي على سقوف مربعة كما نفعل اليوم. وأول من بنى بيتاً مربعاً حميد بن زهير، واستهولت قريش عاقبة التربع في هندسة البيت، فقالت:

ربع حميد بيتاً *** اما حياة أو موتاً

وأول مَن بوّب في مكّة « حاطب بن أبي بلتعة »، وكانوا يجعلون بين يديها العرصات ينزل الحجاج فيها والمعتمرون. ولما شرعوا يصنعون لبعض الدور أبواباً كانوا يقصرون ذلك على بعض غرفها، ويتركون مداخلها شارعة على عرصاتها دون أبواب، وقد قيل إن هند بنت سهيل عندما استأذنت عمر بن الخطاب في أن تجعل على دارها بابين أبى وقال لها: “إنما تريدون أن تغلقوا دوركم دون الحجاج والمعتمرين”، قالت: “تالله ما أريد إلا أن أحفظ على الحجاج متاعهم؛ فأغلقها عليهم من اللصوص فأذن لها فبوبتها”.

ويستطيع الباحث أن يستنتج: أن العمران في مكّة – في عهدنا الذي ندرسه – نشط نشاطاً كبيراً، بعد أن تركنا المضارب تتباعد على حوافي وادي إبراهيم من أعلى مكّة إلى أسفلها، ثم تعرج في ناحية منها إلى مداخل الشامية اليوم نحو قعيقعان؛ نجدها الآن وقد اتصلت وتكاثفت واتخذت كلُّ قبيلة منزلها من الوادي وشعابه، ولم يزحف عمرانهم إلى مرتفعات الجبال وأكتافها كما نفعل اليوم… بل ظل مستوياً باستواء سطح الوادي.

وقد ذكروا أن قصياً خطّ للكعبة ساحة توازى صحن المسجد اليوم، وأباح للناس أن يبنوا دون ذلك حول مدارها من الجهات الأربع، وكانوا لا يبيحون لأنفسهم قبل «قُصيّ» السكنى، أو المبيت بجوار الكعبة. ثم أمرهم أن يجعلوا بين بيوتهم مسالك يفضون منها إلى ساحة الكعبة، وأهم هذه المسالك مسلك شيبة وهو في مكان بني شيبة اليوم، ولم يبوّب ساحة الكعبة أو يسورها، كما أمر بأن لا يرفعوا بيوتهم عن الكعبة لتظل مشرفة عليها؛ وكانوا يتخذون مجالسهم العامة في أفيائها، كما بنى دار الندوة لاجتماعاتهم الخاصة.

وفي استطاعتنا أن نرسم خطوطاً تقريبية لخريطة مكّة، نبين فيها باختصار مواقع البطون في مكّة يومها، وسير العمران بين شعابها، اعتماداً على ما ذكره الأزرقي في تخطيطه مواقع القبائل في كتابه أخبار مكّة.

ولتوضيح ذلك في الأذهان؛ نستطيع أن نجعل من باب بني شيبة نقطة ابتداء لتخطيطاتهم، فقد كان موضع ارتكاز الحركة العمرانية في أمّ القرى، كما كان أهم مداخل المسجد الحرام، وكانت البيوت تتكاثف حوله متجهة في الشرق إلى «حصوة» باب عليّ، وفي الشمال قليلا إلى «حصوة» باب السلام، تنزلها بطون غساسنة الشام وبعض السفيانيين، وتتخللها متاجر للعطارين، فإذا مضى بنا الخطّ مستقيماً إلى جهة باب النبيِّ واجهنا بيت العباس، ودار جبير بن مطعم، ودور لبني عامر بن لؤي، واستقام أمامنا زقاق أصحاب الشيرق، وهو إلى جانب زقاق الحجر حيث تقوم دار لابن علقمة، ودور أخرى لآل عدي من ثقيف. فإذا نفذنا من ذلك إلى شارعنا العام في القشاشية، متوجهين إلى أعلى مكة استقام أمامنا سوق كانوا يُسمونه سوق الفاكهة، ثم سوق الرطب، ثم رباع كانت لبعض بني عامر، وعند سوق الليل تصافحنا الدار التي كانوا يسمونها دار مال الله، وكانوا ينفقون فيها على المرضى ويطعمونهم. وبالقرب من الدار يلتوي شعب ابن يوسف، وهو ما نسمّيه اليوم شعب عليّ، وفيه دور عبد المطلب بن هاشم، ودور أخرى لأبي طالب، وأخرى للعباس بن عبد المطلب، وإذا عدنا إلى استقامتنا في شارعنا العام يصافحنا دار العاص في فوهة شعب بني عامر، ثم يلتوي شعب بني عامر في دروب متعددة تقوم عليها دور لبني بكر، وأخرى لبني عبد المطلب بن عبد المناف، ونستقيم مرة أخرى في شارعنا العام فيواجهنا ردم آل عبد الله، وكانوا يعارضون به مجرى السيل ويسمونه الردم، وعنده يقف الحمارون، ونمضي قليلا إلى المعلاة لنجد الجزّارين عن يميننا في شعب أبي دب، ثم مكان المقابر وهي بعد حدود شعب عامر، ثم بعض بساتين تنتهي منها إلى شعبة الجن، ثم ثنية الحجون، ثم بساتين أخرى نصل بعدها إلى شعب الصفي وهو ما نسميه اليوم المعابدة، وفيه دور لبني كنانة وآل عتبة بن أبي معيط، ودور لربيعة من بني عبد شمس.

وإذا بدأنا خطّاً آخر من باب بني شيبة، متوجّهين إلى الشمال الشرقي في المسعى صادفتنا دورٌ لبني عدي، قائمة بين باب بني شيبة ورواق باب السلام، وفي المسعى يتوجّه درب إلى يميننا كانوا يسمونه الخرامية، وكان فيه مكان للبانين، وفيه سقيفة، ودار الحكم بن حزام، ودور تتخللها عرصات لبني سهم، ويمضي بنا الدرب إلى بيت خديجة، حتى يخرج إلى مكان المدعى اليوم.

وإلى يسارنا – ونحن في المسعى – طريق الساعين إلى المروة، وفي المروة دور لآل عتبة بن فرقد، ودار كبيرة لآل ياسر، في واجهتها الحجامون والحلاقون، وإذا مضينا في المسعى مصعدين في طريق المدعى انتهينا إلى رحبة واسعة، كانت تحط فيها عير الحنطة والسمن والعسل والحبوب؛ لتباع فيها، وهي ما نسميها اليوم المحناطة، وفيها دور لبني عبد الشمس، ودار أبي سفيان وهي في مكان «القبان» اليوم، وقد أشار النبيُّ (ص) إليها عندما قال يوم الفتح: « مَن دخل دار أبي سفيان كان آمناً » ثم دور لأولاد العباس تصل إلى قريب من المدعى، ثم دور لأولاد الحارث، ثم طريق إلى يسارنا يمضي إلى جبل الديلم، وهو يشرف على القرارة اليوم. ثم نمضي في استقامتنا إلى طريق المعلاة لنمرّ على دور لبني غزوان، وأخرى لأولاد الحارث بن عبد المطلب.

ونبدأ خطاً ثالثاً من باب بني شيبة متوجهين غرباً إلى دار الندوة؛ لنجد البيوت تتكاثف قبل الرواق، إلى جانبها دار لشيبة بن عثمان، ودار لخزانة الكعبة، ودار لصاحب البريد، ودار لبيت المال، ودار للخطاب بن نفيل، ثم نصعد شمالا إلى جهة الرواق، الذي فيه باب الزيادة، إلى باب الدريبة، فتصادفنا دور لبني خزاعة، بينها زقاق الحذائين، نسلك منه إلى سويقة، ثم ننعطف منه إلى المروة، ومن جهة أخرى دور لآل زرارة من تميم، ثم يمضي بنا الشعب إلى قعيقعان في مداخل ما نسميه الشامية – اليوم – فإذا توجهت إلى يمينك توجه بك درب إلى ناحية الديلم، بالقرب من القرارة – اليوم -، ثم تصعد إذا شئت على تلال في مكان الفلق كانوا يصعدونها؛ لينزلوا منها إلى مكان سوق المعلاة – اليوم – ولم يفلق هذا الطريق إلا ابن الزبير في عصره.

وإذا أردنا أن ننتقل من شقّ مكة الأعلى إلى شقها الأسفل، تعيّن علينا أن نجعل نقطة ابتداء تخطيطنا ما بعد صحن المسجد أمام باب أجياد، متوجهين إلى الشرق ثم إلى الجنوب الشرقي.

كانت منازل بني عائذ تبتدئ من صحن المسجد فيما يوازي ركن الكعبة اليماني، ممتدة غرباً إلى ما يحاذي بئر زمزم، ثم تصعد في الشرق نحو باب عليّ. وكانت دور بعض كبارهم شارعة على مكان المسعى، على يسار القادم من الصفا يريد المروة، أي فيما يحاذي باب علي اليوم تقريباً. وكانت منازل عدي بن كعب تبتدئ من صحن المسجد متوجهة إلى الصفا من ناحية، وإلى أجياد من ناحية أخرى قبل أن ينقلوا إلى أسفل مكّة.

وفي الطريق الذي يبدأ من باب الصفا متوجهاً جنوباً إلى باب أجياد كانت سقيفة لبني عائذة، وسوق للبزازين «القماشين» وبالقرب من ذلك كان البيت الذي اتخذه النبيّ (ص) لتجارته قبل البعثة مع شريكه السايب بن السايب. وإذا انتهيت إلى باب أجياد، ووقفت حيث تكون القبلة في ظهرك، ومداخل أجياد في وجهك امتد أمامك شعبان: أحدهما عن يمينك إلى ما نسميه – اليوم – بئر بليلة، وكانوا يسمونه أجياد الكبير، وامتد الشعب الثاني على يسارك إلى ما نسميه – اليوم – السد، وكانوا يسمونه أجياد الصغير، ولست أعني بالامتداد ما يتبادر إلى ذهنك من نفاد الجادة واستقامتها بامتداد الشعوب، فقد كان العمران يتخلل الجادة ويعرقل استقامتها… وكان بنو تميم ينزلون حوالي باب أجياد، وتمتد بيوتهم من جهة الغرب إلى قبيل حدود المسجد يومها، وهي حدود صحن الكعبة اليوم، وكان بنو مخزوم ينزلون في فوهة أجياد الكبير مكان الرواق الجديد اليوم…. وكان جماعة من الأزد ينزلون خلف ذلك مما يتصل بمكان الصحة العامة، وخلفها كان منزل أبي جهل بن هشام لا يبعد عن ذلك كثيراً، وفي أجياد الصغير إلى الجادة المتصلة بالسد كانت منازل لآل عدي بن عبد شمس، وفي أجياد مكان للحواتين، ودار لعبد الله بن جدعان التي كان فيها حلف الفضول الذي تعاقدت فيه القبائل متفقة بأن لا يقرّ في مكة ظالم. وفيها دور لآل سلمة ابن هشام، وفيها بئر يجمع بين أجيادين احتفرها آل سلمة مع جماعة من جيرانهم، وكان يردها السكان في فوهة الشعب باجيادين، وأكاد اعتقد أنها البئر الموجودة اليوم قبيل عمارة المستشفى؛ لأنها تجمع بين طرفي أجيادين.

وإذا تركت أجيادين، ماضياً في الشارع العام إلى الجنوب نحو المسفلة، بدأت بسوق الحزورة بجوار باب الوداع، ورأيت الدروب تمضي على يمينك إلى قرب المسجد عند حدود المطاف ومن أشهرها درب الحناطين، واعتقد أنه كان سوقاً للحنطة، فالحائط في اللغة هو كثير الحنطة، وموقع هذا الدرب صالح لبيع منتجات الجنوب من الحنطة في مكة، وفي هذه الجهة كانت تنزل بطن من آل صيفي، وفيها دور لآل عبد الدار، وأخرى لجماعة لبني أسد بن عبد العزى.

ولعلنا إلى هذا الحد استطعنا أن نرسم خطوطاً تقريبية لمكة في الجاهلية، ولا يفوتنا – في أذيال هذا البحث – أن نشير إلى الضواحي التي كان يحلو للمكيين أن ينتجعوها في الأصائل من شهور القيظ، وهي عادة ترى آثراها إلى اليوم في المتنزهين من أبناء مكة في أطراف الضواحي، وكأنما هم يمثلون بذلك عادة عرفها أجدادهم من نحو (1500) سنة تقريباً. ومن أشهر متنزهات مكة في الجاهلية الليط… والليط في رأي بعض المؤرخين هو أسفل مكة فيما يقرب من بركة ماجل متنزهاً في مكة اليوم، ويقول الأستاذ رشدي الصالح ملحس في حاشيته على تاريخ الأزرقي: إنه يرجح أن يكون خلف القشلاق العسكري، أي فيما يلي جرول الخلفية، ولست بالذي يستبعد صحة القولين، وكأن الوادي بعد بركة ماجل يتصل بالجادة التي تنتهي خلف القشلاق، فلِمَ لا يكون الليط عبارة عن امتداد من جرول الخلفية إلى أطراف المسفلة ؟ وكانت في الليط أُقحوانة يجلس أهل مكة حولها في العشي، يلبسون الثياب المحمرة والموردة والمطيبة وفي هذا يقول الحارث بن خالد:

مَن ذا يسايل عنّا أيـن منزلنـا

***

فالأقحوانة منـا منـزل قمـن

إذ نلبس العيش صفواً ما يكدره

***

طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن

ومن متنزهاتهم شعب خم، وهو يتصل بالمسفلة اليوم، وكان مزروعاً فيه عدة بساتين تتصل بالليط ثم تتصل بجرول. وكانوا يخرجون إلى حائط الحمام بجوار المعلاة، فقد كان لهم هناك نخيل وزروع، وكانت بساتين تمتد إلى الخرمانية بقرب ما نسميه المعابدة، ثم تمضي إلى المحصب في الطريق المؤدي إلى منى.

وكان لهم في المحصب دكة يجتمع المتنزهون فيها أصيل كل يوم، وكانت تشرف على نخيل باسق وبساتين تحتضنها شعاب الوادي الممتدة إلى منى.

كما كانت لهم بساتين في وادي فخ ونسميه الشهداء – اليوم – وأخرى بوادي طوى في امتداده من الحجون إلى ريع الكحل وبساتين غير هذه في ضواحي مكة العليا إلى مزدلفة فعرفة، وكانت المنازل في المناطق التي ذكرناها لا تتكاثف على قاعدة المدن الحاضرة بل تتفرق، وتفصل بينها مساحات خالية على عادة العرب في بناء قراهم ومدنهم، أما الناحية المتصلة بالمسجد فكانت تضيق بنزلائها؛ لتنافسهم في مجاورة الكعبة. وقد بنى القرشيون في أواخر عهدهم ما يشبه السور في أعلى المدعى وبوّبوه، ولم يثبت أنهم بنوا مثله من ناحية أخرى منها.

ثانياً: الناحية العمرانية في عهد الراشدين:

تتزاحم البيوت في هذا العهد حول المسجد؛ لأن الأغلبية من مهاجري الآفاق كانوا يفضلون قربه، فأخذ وسط أمّ القرى شكل المدينة المكتظة، وتركت الأطراف للقبائل التي تنزلها تؤدي معاني الضواحي للبلدة.

ولم يزد الاكتظاظ في طول البلدة عن «المدعى» من الناحية الشمالية، وعن أوائل الهجلة، وقبل الشبيكة من الناحية الجنوبية. أما شرقها إلى غربها فقد كان تكاثف السكان فيها من أوائل مدخل أجيادين إلى القشاشية، إلى النواحي القريبة من سوق الليل وشعب الهواشم، ومن سويقة إلى قرارة المدحا إلى الجزء القريب مما نسميه الشامية.

وبدأت الثروات في عهد عثمان تزيد أرقامها في مكة عما عهدناها في عهد الشيخين؛ لأنه أضيف إلى نشاط مكة التجاري مصدر جديد من مصادر الثراء ذلك هو عطاء عثمان، وليس غريباً أن يكون عطاء عثمان مصدراً للثراء، فقد كان قبل خلافته من أجواد العرب الممتازين، ونوادره في هذا معروفة ومشهورة، فلما انقادت إليه الخلافة، وكانت الفتوحات قد اتسعت، وغنائم الأمصار قد انهمرت على المدينة كان لابدّ لجود عثمان من أن يتسع مداه، ولابد لجلة قريش وكبار أهليها من ذويه وأقاربه من أن ينالهم جوده الواسع. فقد ذكر أنه أعطى الزبير ستمائة ألف، وأعطى طلحة مائتي ألف، وأعطى غيرهم مثل ذلك، فتدفقت الأموال على مكة إلى جانب ما تدفق إليها من غنائم الحروب، وجلب الرقيق إليها من أطراف الأرض المفتوحة شراءً أو اهداءً، فأينعت الحضارة، وكثرت الأيدي العاملة في المزارع المحيطة بمكة، وأنشئت الجنات في بعض ضواحيها، وحفرت الآبار، واتخذت السدود من مياه الأمطار، ووجدت الأقطاعات الفخمة في أراضي الطائف، وأكثرها ملك للقريشيين، وانتقل إلى هذه الأقطاعات كثير من قريش، يسهرون على غلاتها، وقد ظل كثير من بطونهم يعيش إلى اليوم في بعض ضواحي الطائف.

وماجت مكة على أثر هذه الحركة بسكانها من القبائل النازحة إليها، والموالي المجلوبين من الفرس والروم، وبدأت تستقبل في عهد عثمان كثيراً من الذين نزحوا عنها في عهد الشيخين؛ للالتحاق بالجيوش الفاتحة… عاد إليها البعض بما كسبه من غنائم، كما عاد البعض الآخر بما في صدورهم من العلوم، فحفلت مكة بحلقات المعلمين، كما حفلت أسواقها بمتاجر أهل الثراء، ولم تشترك مكة في فتنة عثمان، التي اشتركت فيها أهم أمصار الإسلام. وإذا كان بعض المهاجرين من أهلها في المدينة اتصلوا بالفتنة من بعض أطرافها. فذلك بحكم بقائهم فيها واشتغالهم بالسياسة العليا في حكومتها. ولعلنا لسنا بحاجة الى استقصاء الأسباب التي عصمت مكة من مزالق الفتنة، وعندما نادت عائشة بثورتها لم يتبعها من مكة إلا الأقلون، واكثرهم من أشياع بني أمية واتباعهم، وبعض المشتغلين بالسياسة العليا، وهؤلاء لا يكونون الرأي العام في البلاد.

وكما تعاونت مكة مع ولاة عثمان مدة خلافته، وساعدت في تنشيط الحركة العمرانية لعهده رضيت بولاة علي (عليه السلام)وأخلصت الود لهم. ولما أراد قثم بن العباس أن يحارب الترف الذي بدرت بوادره كنتيجة لتضخم الثروات التي أشرنا إليها، كادت أن تسلس له القياد وتستجيب إلى دعوته.

ثالثاً: الناحية العمرانية في العهد الأموي:

ينقل القطبي في الأعلام عن الفاكهي أن من آثار النبيّ مسجداً بأعلى مكة عند بئر جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، ثم يقول: وكان الناس لا يتجاوزون في منازلهم – في قديم الزمان – هذا البئر، وما فوق ذلك خال من الناس، وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

نزلت بمكةَ من قبائل نوفل

***

ونزلت خلف البئر أبعد منزل

حذراً عليها من مقالة كاشح

***

ذرب اللسان يقول ما لم يفعل

 ونستطيع أن نفهم من هذا أن قديم الزمان الذي يشير إليه الفاكهي، هو عهد بني أمية، وفي شعر ابن أبي ربيعة وهو من معاصري الأمويين ما يؤيد ذلك، فقد نزل خلف البئر أبعد منزل. إذا فقد كان العمران في هذا العهد لا يتجاوز البئر والمسجد المذكورين، وقد أدركت العامة وهم يسمون المسجد الموجود الآن أمام الحلقة مسجد الراية، وكنت لا أستبعد أن يكون البئر المذكور هو بئر الكمالية الموجود اليوم على بعض أمتار منه، ولكني علمت أن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري حقّق مكان البئر والمسجد، وانتهى في ذلك إلى أن مسجد الراية هو المسجد الموجود في الجودرية، وتقع عمارة شركة الكهرباء الآن خلفه، وبجواره مباشرة بئر جبير بن مطعم. وأجدني اليوم أميل إلى متابعة رأيه لأسباب أذكرها، وقد يكون ذكر غيرها:

1 – بعد أن ذكر القطبي في كتابه الأعلام أن العمران كان لا يتجاوز البئر، قال: أما في زماننا « وزمانه أوائل العهد العثماني » فقد تجاوز العمران كثيراً صوب المعلاة، فإشارته إلى تجاوز العمران كثيراً صوب المعلاة فيه ما يدل على أن مسجد الراية كان بعيداً عن المعلاة، فإذا أفترضنا أن مسجد الراية الموجود أمام الحلقة كان المدى بينه وبين المعلاة مدًى يسير، وأن أقل العمران يصله بالمعلاة مباشرة.

أما إذا جعلنا مسجد الراية في «الجودرية» فإن جملة العلامة القطبي تستقيم تماماً؛ لأن المدى بينه وبين المعلاة يحتمل قول أن العمران تجاوز كثيراً صوب المعلاة.

2 – يذكر مؤرخو مكّة أن ابن الزبير عندما فلق الطريق الذي نسميه اليوم «الفلق»، وكان غرضه أن تتصل بيوته في نواحي سويقة ببساتينه من ذلك الطريق؛ فتعين لدينا أن بساتينه لا تبعد عن الفلق كثيراً، وأن المتوقع أن يكون موقعها في الحلقة، أو بالقرب من ذلك؛ لأن الحلقة كانت موقع بساتين ولا يزال آثار ذلك بجانبها إلى اليوم، فإذا صحّ أن بساتينه في الحلقة، أو ما يقرب منها فإننا نستبعد أن يكون عمران مكة ينتهي إلى ما يسامت البساتين؛ لأن المعروف في تخطيط المدن العربية في العادة أن تقع بساتينها في ضواحيها، ولما كان عهد ابن الزبير متصلا بعهد الأمويين، وكان المظنون أن بساتينه كانت تقع في ضاحية مكة، وأن العمران ينتهي بعيداً عن بساتينه بنحو مائة متر، وهو ما يتفق مع موقع المسجد الموجود خلف عمارة شركة الكهرباء اليوم، لهذا فالأوفق أن يكون مسجد الراية وبئر مطعم هما الموجودان اليوم أمام شركة الكهرباء في الجودرية، حيث كان ينتهي عمران مكة في عهد الأمويين.

ولا نعتقد أن العمران تجاوز من الجهة الأخرى الشبيكة، لأن حدود حارة الباب لم تعمر إلا بعد هذا العهد، ولم يكن لمكّة في هذا العهد سور؛ لأن المفهوم من سياق ما ذكره التقي الفاسي: أن العمران في هذا العهد تجاوز السور الذي عرفناه في العهد الجاهلي بالقرب من المدعاة، فهدم السور وظلت مكة على ذلك إلى أن سورت في المعلاة في عهد قتادة كما سيأتي.

على أننا لا نعني بتحديد العمران – في مكّة في هذا العهد – التحديد المتبادر إلى الذهن؛ لأن المعروف أن كثيراً من السكان كانوا يسكنون إلى مسافات تتجاوز هذه الحدود؛ فشعب عامر كان مسكوناً في العهد الجاهلي، وكذلك كانت الحجون والمعابدة، وإذن فالمراد بالتحديد هو العمران المتصل، وهو لا يمنع وجود الساكن في الضواحي القريبة أو البعيدة.

رابعاً: النواحي العمرانية في العهد العباسي:

لا يستنتج الباحث مما كتب عن مكة، أن عمرانها اتسع في هذا العهد عما عرفناه في عهد الأمويين، أو أن مساحة المأهول فيها توسعت عما كانت، بل يجد أن الأمر على عكسه، وأن السكان قل تعدادهم جداً، فقد تفرق أبناء مكة في الآفاق، واستوطنوا الأراضي الخصبة، واتخذوا لهم أملاكاً في مصر والمغرب والشام والعراق حتى لم يبق في مكة من أهلها إلا أقل من القليل، مع من جاورهم من مسلمي الآفاق؛ للتشرف بالجوار، وكان من عادة حكام مكّة أن ينادي مناديهم بعد أداء الحجّ «يا غريب بلادك» تقليداً لابن الخطاب، لئلا يستأثر المجاورون بثروات البلاد.

عنى الرشيد بالعيون التي طمرت بعد عهد معاوية فأحياها، وصرف مياهها في عين واحدة، يقال لها (الرشا)، واتخذ البرك لها في أعلى مكة وأسفلها، تصب فيها المياه فيسقي منها الناس، وتلك كانت عادتهم قبل إنشاء موارد الماء في القرون المتأخّرة. ولما لم يف ذلك بالغرض نشطت زبيدة زوجته للأمر فاشترت أرض حنين، وكان فيها نخيل وزرع فألغته، وبنت للماء قنوات يصب فيها إلى أطراف مكة، ثم اشترت أرضاً أخرى في وادي نعمان فوق عرفات، وبنت قنواته؛ ليصب في عرفة، ثم أصلحت البرك الموجودة في مكة، وبنت بركة غيرها، ليصب الماء فيها ويستقي الناس، وقدّرت نفقات ذلك بنحو ألف وسبعمائة ألف مثقال من الذهب وهو يعادل مليون وسبعمائة ألف دينار ذهبي.

وأمر المأمون بانشاء خمس برك في مكة، تتسلط عليه عين زبيدة فجعل احداها عند شعب ابن يوسف (شعب عليّ)، والثانية عند الصفا والثالثة عند الخياطين بجوار ما نسميه «باب إبراهيم» عند فوهة سكة الثنية والرابعة عند سوق الحطب في «الهجلة»، والخامسة في ماجل أبي صلاية، وجعل المسارب بين البرك يجري فيها الماء من بركة زبيدة.

وبنى الرشيد له داراً بين الصفا والمروة شارعة على المسعى كان يقال لها دار القوارير، وفيها بئر هاشم وكانوا يسمونها «سحلة»، أو بئر جبير بن مطعم؛ لأنه استوهبها من هاشم وهي موجودة إلى اليوم في باب قايتباي، وقيل: إن عبد المطلب وهبها لمطعم عندما استغنى عنها بحفر زمزم.

وأنشأ ياسر – خادم زبيدة – بأمرها ميضات على باب أجياد الكبير، وأدخل فيها بئر الحفر وقد دخل كل هذا في رواق باب أجياد في التوسعة الجديدة.

واشترت زبيدة دوراً أوقفتها في مكة، ومنها دار الأرقم، وهي الدار التي كان يختبئ النبيُّ (ص) فيها قبل البعثة، وتقع في زقاق على يسار الصاعد إلى الصفا، ويسميها بعضهم دار الخيزران، وهي غير دار الأرقم التي بجوارها.

وأنشأ الرشيد على رؤوس الجبال منائر تشرف على فجاج مكة، ورتب المؤذنين لها؛ لأن بعضهم كان لا يبلغه صوت المسجد، فبنى على أبي قبيس أربع منائر، وعلى رأس الأحمر المقابل منارة، وعلى الجبل المشرف على شعب عامر منارة أخرى تشرف على المجزرة، ومنارة على جبل كري وغيرها. وبنى مولاه (بغا) غير ذلك على جبال أخرى في الفلق والمعلاّة والشبيكة وأجياد وبئر ميمون في أعلى الأبطح ومسجد الكبش بمنى.

وكان بعض المؤذنين يسهرون فوق المآذن التي بناها الرشيد في الجبال؛ ليؤذنوا فيها، ولعله إذان السحر الذي كان مستعملا، وقد أهملت هذه المنائر بتقادم الأجيال وخربت ولم يبق منها أثر.

وفكّر الرشيد في أن يعنى بموصلات مكّة البحرية فينشئ قناة ما بين البحر الأحمر والأبيض، فأشير عليه بترك ذلك مخافة أن تتصل سفن الروم بأرض العرب، وتهدد الحرمين بأخطارها فعدل عن ذلك، وما عدل عنه الرشيد نفذه الخذيوي سعيد في مصر بفتح قناة السويس عام 1286 هـ-.

خامساً: النواحي العمرانية في عهد الفاطميين:

وعنى الفاطميون بإصلاح كثير من الخراب الذي كان يطرأ على المسجد الحرام، وجددوا بعض الاسطوانات، وأصلحوا بعض المواضع من سقفه، إلا أن عناية العباسيين كانت أكثر وضوحاً، فقد قاموا بإصلاحات كثيرة في الكعبة فعمروا سقفها سنة 542 وأصلحوا رخامها عام 550 وشدّوا ركنها اليماني عندما تضعضع عام 559. وأهدى المطيع العباسي للكعبة قنديلا من الذهب زنته 600 مثقال، وعدة قناديل من الفضة في العام نفسه.

وأهدى الخليفة العباسي المكتفي في عام 551 باباً للكعبة بديع الصنع منقوشاً عليه اسمه، كما أهداها ميزاباً جميل النقش في عام 541، كما أمر وزير صاحب الموصل محمد الجواد الإصفهاني بعمل إصلاحات كثيرة في المسجد، أهمها تعمير منارة الباب وقبة العباس بجوار زمزم. وأنشأ مزولة في صحن المسجد لمعرفة أوقات النهار، وكان مكانها على بعد 43 ذراعاً من ركن الكعبة العراقي بذراع الحديد عمّا يلي المنبر، وقد أزيلت بعد ذلك ولم يبق لها أثر.

وممن عنى بالمسجد في هذا العهد أحد أعيان المسلمين المعروف بالشيخ رامشت واسمه أبو القاسم إبراهيم بن الحسين الفارسي، فقد بنى رباطاً بجوار باب إبراهيم لسكنى فقراء الصوفية من أصحاب المرقعات، وأهدى للكعبة ميزاباً في سنة 541 وكساها بالحبرات في عام 532 كسوة كلفته 18 ألف دينار مغربية، وكذلك كساها أبو النصر الأسترآبادي كسوة بيضاء من عمل الهند في عام 446.

وكان الفاطميون يكسونها بالديباج الأبيض كما كان بعض العباسيون يكسونها بالسواد شعار العباسيين، واستمرت تكسى بالسواد إلى الآن.

ويذكر الشيخ باسلامة في كتابه عمارة المسجد: أنه يظن أن المقامات الأربعة الموجودة بالمسجد أنشئت بين القرن الرابع والخامس، أي في هذا العهد الذي ندرسه الآن، وذلك لأن المؤرخين والرحالين الذين وصفوا المسجد قبل هذا العهد، وآخرهم صاحب العقد الفريد لم يذكروا عنها شيئاً، بينما يذكرها ابن جبير في رحلته عام 578 فدل ذلك على أنها حدثت قبيل ذلك العهد.

والذي نحسبه أن ما ذكره الشيخ باسلامة لا يعدو الحقيقة لأننا نعتقد أنها أحدثت في العهد الفاطمي مع ما أحدثت من مزايا جديدة.

وكان في جوانب حجرة زمزم أحواض يصبّ فيها الماء، ويتوضأ الناس به، وأمام بئر زمزم من ناحية الشرق بناء آخر عليه قبة يسمى سقاية الحاج وضع به أزيار يشرب منها الحجاج، وبعد هذا البناء في ناحية الشرق، بناء آخر مستطيل عليه ثلاث قباب يسمى خزانة الزيت به الشمع والزيت والقناديل، وحول الكعبة أعمدة قامت بينها عوارض من الخشب عليها زخارف ونقوش من الفضة، وقد أنيطت بها المصابيح معلقة في الحلق والطلاّبات ويفصلها عن الكعبة 150 ذراعاً وهي مسافة المطاف.

سادساً: النواحي العمرانية في عهد المماليك الأتراك والشراكسة:

لم يبذل المماليك الأتراك الجهود التي بذلها مماليك الشراكسة بعدهم في سبيل الإصلاح، ومع هذا فقد كانت لهم اصلاحات منها: أنهم في عام 736 هـ- عمروا الأساطين التي حول المطاف وقد جعل بعضها من الحجارة المنحوتة الدقيقة، والباقي كان آجراً مجصصاً، وجعل بين كل اسطوانتين خشبة تعلق فيها القناديل عوض الأخشاب التي كانت تعلق فيها. وفي عام 749 عنى الأمير فارس الدين من مماليك الأتراك بإصلاح المسجد، وجدد الأعمدة حول المطاف وفي سنة 720 عمّر الناصر محمد بن قلاوون رخام الحجر ثم عمّره من بعده المنصور علي بن الأشرف سنة 781 وصنع باباً للكعبة، وصنع ولده الناصر حسن باباً للكعبة سنة 871 ووقف الصالح إسماعيل الناصر في عام 743 قرية من نواحي القاهرة يقال لها «بيسوس» بجوار القليوبية، وظل ينفق من غلتها على الكسوة. وقد ذكر ابن بطوطة في رحلته إلى الحجّ سنة 728: أن الملك الناصر كان يتول كسوتها وكانت سوداء مبطنة بالكتان، وأنشأ الناصر بن قلاوون متوضَّأً مقابل باب علي.

وعنى الشراكسة بالإصلاحات في مكة والمسجد الحرام، فجدّد (برقوق) في عام 801 عقد المروة وأصلح درجاتها، وعمر في عام 842 ناظر الجيش الشركسي ومدير الحرم (سودون) كثيراً من المواضع المأثورة في منى والمزدلفة وعرفات، وأزال أشجار الشوك والصخور الكبيرة في طريق عرفات؛ لأن اللصوص كانوا يختفون وراءها.

وكانت العين من نعمان إلى عرفات خربة، انقطع ماؤها من عهد المماليك الأتراك فأصلحوا مجراها في عام 874 إلى أن عاد ماؤها يروى الحجيج.

وأمر السلطان قايتباي بهدم المتوضأ الذي ذكرنا أن المماليك الأتراك أنشؤه أمام باب علي، ثم بنى مكانها رباطاً للفقراء، وأدخل في مساحة الرباط نحو ثلاثة أذرع من المسعى، وعندما عارض قاضي مكة في إضافة الأذرع من أرض المسعى إلى الرباط ومنع البناء، أصدر قايتباي أمره إلى أمير الحجّ بتنفيذ البناء بقوة العسكر فتم ذلك، وأنشأ إلى جانب الرباط متوضأً صغيراً وجعل له باباً يشرف على سوق الليل – القشاشية – كما أُنشئ بجواره مطبخ تطبخ فيه الدشيشة وتوزع على الفقراء، كما عمّر قايتباي مسجد الخيف في منى ومسجد نمرة في عرفات.

وفي عهد الشراكسة شبت النار في رباط رامشت بين باب ابراهيم وباب الوداع في شوال سنة 802 فاتصل لهيبها بسقف المسجد ثم التهمت النار جميع الأروقة إلى باب الباسطية فندب الشراكسة أمير الحج المصري عام 803 لإصلاح ما تهدم، وقد احتاج العمل إلى تغيير بعض الأسطوانات الرخامية فنحتوا من الجبل المعروف بجبل مكة حجارة بشكل نصف دائرة أقاموا منها الأسطوانات الثخينة، ثم زخرف المسجد بالألوان ونيطت السلاسل بالسقف لتعليق القناديل كما كانت في العهد العباسي، وعمرت المقامات الأربعة على هيآتها القديمة، وتمت أعمال البناء في سنة 807 هـ- وفي عهد أبي السعادات بن الطاهر برقوق ثاني ملوك الشراكسة.

وفي هذا العهد عام 807 سد باب الخلوة إلى جانب زمزم، التي كان فيها مجلس ابن عباس وجعل في موضع الخلوة بركة مقبوبة، وفي جدارها الذي يلي باب الصفا «بزابيز» من نحاس يتوضأ الناس منها على أحجار نصبت للجلوس، وفوق البركة المقبوة خلوة فيها شباك إلى الكعبة، وشباك إلى الصفا وطابق صغير إلى البركة.

وعمرّ الشراكسة حجر إسماعيل بالرخام، وأرسلوا له كسوة من الحرير الأسود كسوا به دائرة من الداخل والخارج، وكانت أول كسوة من نوعها لحجر إسماعيل وآخرها أيضاً.

وأمر (قانصوه) في عام 917 بنقض جدار الحجر مرة أخرى، وأرسل لاصلاحه رخاماً جديداً من مصر. وأنشأ الشراكسة فوق مصلى إبراهيم قبة عام 881، كما أرسلوا منبراً من الخشب في عام 815، وأرسلوا غيره في عام 866 ثم غيره في عام 877.

وعنوا بكسوة الكعبة طوال مدة حكمهم في مصر، وفي عام 810 احدثوا في جانبها الشرقي جامات منقوشة بالحرير. وفي سنة 819 جعلوا لبابها ستارة أجمل مما كانت، وكانوا يكتبون في طرازها اسم صاحب مصر الشركسي.

وكسى (جقمق) الجانب الشرقي والشمالي من الكعبة ديباجاً أبيض بخامات سود في عام 865، وكساها قايتباي من الداخل في عام 883، ولا تكسى الكعبة من الداخل إلا إذا بليت كسوتها، أو أراد أحد الخلفاء تجديدها.

وفي عام 817 عمّر (الفوري) في زيادة باب إبراهيم، وبنى فوقه قصراً مرتفعاً مع مرافقه، وجعل حول القصر – من خارج المسجد – معازل ومساكن وبنى خارج ذلك متوضَّأً تشتمل على مراحيض وبركة ماء، ووقف القصر والمساكن على بعض أعمال الخير، وبنى على يمين الداخل إلى باب إبراهيم من الداخل حاصلا في أرض المسجد، وعلى اليسار مثله، وقرر فيهما بعض المستحقين، وجعل في الجانب اليماني حاصلا يشتمل على سبيل ماء وصهريج.

وخربت المظلة القائمة فوق بئر زمزم في عام 818 فنقضت وبنيت مرة أخرى، ثم عمّر الشراكسة كثيراً من الخرائب في أماكن متعددة من المسجد، وعمّروا باب النبيّ كما عمّروا ثمانية عقود من جهة باب الزيادة، ونقضوا منارة باب السلام، ثم أعادوها في عام 816 كما نقضوا بعد ذلك منارة باب الزيادة ثم أعادوها في عام 823، وأصلحوا في سطح الكعبة. وتراكمت في هذا العهد طبقات من التراب في المسجد فاستعان المسؤولون بالثيران لجرفه ثم نقلوه إلى المسفلة، ثم بطح مكانه بطحاً مغربلا نقلوه من ذي طوى ووادي الطندباوي.

سابعاً: النواحي العمرانية في العهد العثماني الأول:

لم يتسع عمران مكة في أوائل العهد العثماني كثيراً عمّا كان في عهد الشراكسة، فإن القطبي الذي عاش ردحاً من صدر العهد العثماني الأول ومات في عام 988، قد ذكر في كتابه الأعلام: « أن مكة كان مبدؤها المعلاّة ومنتهاها من جهة المسفلة قرب مولد سيدنا حمزة عند مجرى العين حيث تنزل اليه من درج ويقال له «بازان». ونهايتها الشبيكة من جهة جدة وعرضها من وجه جبل يقال له الآن «في عهده» جبل جزل بكسر الجيم وفتح الزاي وتشديد اللام وقد سماه الأزرقي جبل الأحمر، وهو يشرف على قعيقعان وقد سُمي جزلا نسبة لطائفة من الجند كانت تلعب فيه بالطبل، ويظهر أن السور الذي بناه (قتادة) حوالي القرن السادس لم يعد له وجود في هذا العهد؛ لأن القطبي يذكر أن مكة في عهده لم تكن مسورة، ثم يشير إلى أنها في عهده أصبحت عامرةً بالسكان بعد أن كان في صباه يرى الحرم الشريف والمطاف خالياً من الناس، ولابدّ من أن صباه كان في عهد سليم الفاتح، ثم يقول: إن شيخاً معمراً من أهل مكة صدوقاً عنده أخبره بأنه «شهد الظباء تنزل من جبل أبي قبيس إلى الصفا وتدخل إلى المسجد، ثم تعود لخلو المسجد من الناس، وأنه كان يرى سوق المسعى وقت الضحى خالياً من الباعة، ويرى أهل القوافل يأتون باجمالهم من بجيلة فلا يجدون من يشتري منهم جميع ما جلبوه، وأن الأسعار كانت رخيصة جداً لقلة الناس وعزة الدراهم» انتهى ما يقوله القطبي عن شيخه المعمر، ولا أستبعد أن يكون المعمر عاش في أواخر عهد الشراكسة، ثم يقول القطبي: أما الآن فالناس كثيرون والرزق واسع.

ثامناً: النواحي العمرانية في العهد العثماني الثاني:

واتسع العمران في مكة في هذا العهد، وتأسس أول مجلس للبلدية في عام 1326؛ ليقوم مقام المحتسب الذي كان يحكم السوق ويشرف على تنظيم العمران.

واطرد بازدياد عدد السكان كنتيجة لمجاورة موظفي الأتراك وعائلاتهم، ومجاورة موظفي المصريين الذين تخلفوا في مكة بعد ترحيل جيش محمد علي منها، والذي نحسبه أن أطماع أوربا التي ترتبت على ضعف العثمانيين في هذا العهد كان له أثر في مضاعفة السكان، كذلك فقد شنّ الروس حروبهم في أجزاء من آسيا، وكذلك فعل الإنكليز وفعلت فرنسا، فاشتدّ الضغط على كثير من بلاد الإسلام، وزادت الفتن والحروب ففرّ كثيرٌ من بلاد الإسلام بدينهم، والقليل بدنياهم إلى مكّة والمدينة وجدة لبعد هذه البلاد من ضغط الأوربيين واستقلالها بأحكام الدين. وقد بدأ أثر ذلك في أكثر العائلات التي تسكن الحجاز اليوم، فإن أبرز من فيها ينحدر من أصل مصري أو تركي أو مغربي أو شامي أو صيني، ولما اشتدت الكروب في الهند والأفغان وجاوى اشتد تدفقهم على البلاد، واتخذ الجميع من أجزائها في مكة والمدينة وجدة مناطق خاصة سميت بأسمائهم، ففي مكة اليوم من آثار ذلك جبل الترك وجبل الهندي وحارة السليمانية، وزقاق المغاربة وزقاق البخارية، وفي المدينة وجدة كثير من هذه المسميات.

وشوهدت مكة في هذا العهد تنقسم باعتبار الاجناس إلى أقسام تشبه المستعمرات، فمنطقة تحتلها جاليات الترك، وثانية يحتلها أهل بنغالة والهند، وثالثة يحتلها أهالي غرب أفريقيا «التكارنة» وغيرها يحتلها الجاويون وأهل بخارى وأهل السند والشام واليمن وحضر موت، ونقلت هذه الجاليات معها إلى مكة عاداتها كاملة وتقاليدها وأخلاقها، وكثيراً من صناعاتها، وبذلك انتفعت مكة بهذا الخليط.

وعنى العثمانيون في هذا العهد ببعض الإصلاحات فأسس الوالي التركي (عثمان نوري) في مطلع القرن الرابع عشر الهجري داراً للحكومة والبوليس أمام المسجد، وفي أجياد التي سمّاها (الحميدية) أسس نقطة للبوليس بجوار الصفا وقد بقي الى أن هدم في توسعة الشوارع في عام 1370، وأنشأ داراً للصحة في أجياد كان مكانها نقطة عسكرية للمدفعية، وهي اليوم إدارة للصحة العامة ومستشفى كما أنشأ مطبعة للحكومة، وهي باقية إلى اليوم بعد أن نقلت إلى داخل أجياد بجوار مقر المالية، وأهداه الشريف الحسين بن علي داراً له بجوار باب الوداع ليتخذه إدارة للبريد، وقد ظل على ذلك إلى عهد طويل من الحكم السعودي الثاني، ثم نقل البريد منه وجعل مقراً لإدارة الأسعاف ثم أزيل في توسعة المسجد.

وأنشأ عثمان نوري داراً لضيافة الحجاج في جرول ثم أحيل إلى قشلاق عسكري، وهو كذلك إلى اليوم كما أنشأ قشلاقاً في أجياد وهو اليوم داراً لبعض الدوائر الرسمية.

وأصلح العثمانيون كثيراً من مجاري عين زبيدة، وبنوا لها خزانات وموارد في كثير من أنحاء مكة، كما أصلحوا بعض الميضآت القديمة بجوار المسجد ورتبوا لها البوابين.

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: