رسالة المرجعية إلى الحجاج

رسالة توجيهية إلى حجاج بيت الله الحرام  

سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم – دام ظله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، والصلاة والسلام على أشرف بريَّته، وسيد رسله، محمّد الداعي إليه، والدالّ عليه، والناطق عنه، والمذكّر به، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الذين أكمل بهم دينه، وأتمَّ نعمته، وأعزَّ دعوته، وأبلغ حجّته. ولعنة الله على أعدائه المضادِّين له، والصادِّين عن ذكره ﴿الَّذينَ بَدَّلوا نِعمَةَ اللهِ كُفراً وأحلُّوا قَومَهُم دَارَ البَوارِ * جَهنَّمَ يَصلَونَها وبِئسَ القَرار﴾.

السلام على ضيوف الله الكرام، وحجاج بيته الحرام، ورحمة الله وبركاته، وبعد…

فقد قال عزَّ من قائل: ﴿وأذِّن في الناسِ بالحجِّ يأتوك رجالاً وعلى كلِّ ضامر يأتينَ من كلِّ فجِّ عميقِ * ليشهدوا منافعَ لهُم ويذكرُوا اسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهُم من بَهيمةِ الأنعام﴾.

فهنيئاً لكم… حيث جعلكم الله تعالى ممن لبّى دعوته، ووفد إليه، وأقام فرضه، وعظّم شعائره، وتعرّض لرحمته. ويا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.

واعلموا أنّ الله تعالى… وإن كان مع عبده في جميع الأزمنة والأحوال، يذكره إن ذكره، ويشكره إن شكره، ويغفر له إن استغفره، ويسمع منه إذا دعاه، ويجيبه إذا ناداه، غير أنّ الإنسان في هذه الدنيا مشغول عن ربّه بأهله وماله، وآلامه وآماله، قد ألهاه ذلك عما يراد به… وعما سوف ينتهي إليه.

وقد جعل الله تعالى المواسم الدينية والمناسبات المقدسة سبب خير ورحمة، لتذكِّر العبد بربِّه، وتنبهه من غفلته، وتجدد له التمسك بدينه، والرجوع لعقيدته، وتجلّي له حقيقة أمره، وما هو صائر إليه، ليتحفّز على نيل المكاسب وصعود المراتب. فهي سوق المؤمنين ومتجر العارفين.

وإنّ من أعظم تلك المواسم موسم الحج الشريف، حيث يفد فيه المؤمنون على ربّهم، مستجيبين لدعوته، آمّين بيته، لائذين به، مستظلين بظله، متعرضين لرحمته، قد خلفوا دنياهم وراءهم وتجرّدوا عنها من أجله.

وهو يتميّز بروحانيته العالية..

أولاً: لابتناء محرمات الاحرام على تخفيف الجانب المادي والحيواني في الانسان لتجنب كثير من الملذات والعدوانيات.

وثانياً: لانّ أكثر أعمال الحج تعبديات غير معلومة الفائدة لولا الايمان بالغيب، والاذعان لله تعالى، حيث يحفّز هذان الامران الجانب الروحي والارتباط المطلق بالله تعالى، وأي سبب أوثق من سبب بين العبد وربّه؟!

ويظهر من النصوص الكثيرة الواردة عن النبي (ص)، والأئمة من آله (ع)، أنّ الحجاج حيث كانوا ضيوف الله سبحانه وتعالى والوافدين إليه فلابد أن يفوزوا بحسن ضيافته، وعظيم جوائزه، وجزيل عطاياه، وأن ذلك مضمون لهم.

ففي حديث معاوية بن عمار عن الإمام أبي عبدالله الصادق (ع)، قال: «إذا أخذ الناس منازلهم بمنى نادى مناد: لو تعلمون بفناء من حللتم لايقنتم بالخلف بعد المغفرة».

وفي حديث آخر عنه (ع)، سأله رجل في المسجد الحرام: من أعظم الناس وِزراً؟ فقال (ع): «من يقف بهذين الموقفين عرفة والمزدلفة، وسعى بين هذين الجبلين، ثم طاف بهذا البيت، وصلى خلف مقام إبراهيم (ع)، ثم قال في نفسه وظن أنّ الله لم يغفر له، فهو من أعظم الناس وزراً».

وفي حديث آخر عنه (ع): «الحاج والمعتمر وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن شفّعوا شفعهم، وإن سكتوا ابتدأهم، ويعوَّضون بالدرهم ألف درهم».

وفي حديث الإمام أبي جعفر الباقر (ع)، قال: «قال رسول الله (ص): الحاج ثلاثة، فأفضلهم نصيباً رجل غفر له ذنبه، ما تقدم منه وما تأخر، ووقاه عذاب القبر.

وأما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه ما تقدم منه، ويستأنف العمل فيم-ا بقي من عمره.

وأما الذي يليه فرجل حفظ في أهله وماله»…. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة.

فعليكم أيها المؤمنون أن تعرفوا عِظَم النعمة التي خصَّكم الله تعالى بها، ووفقكم لها، وتتبيَّنوا ذلك في قلوبكم، وتطمئنوا إليه بنفوسكم، ثم تحسنوا استغلال هذه النعمة، وتجدُّوا في استثمارها، وتستكثروا من خيراتها، وتكونوا الافضل عملاً والاعظم أجراً، والاربح متجراً.

وإياكم أن تضيّعوها وتفرّطوا فيها. واشكروا الله سبحانه على أن وفقكم لذلك، واختصّكم به، ويسَّره لكم.

وابتهلوا إليه – بقلوب خاشعة ونيَّات صادقة – في أن يُتمَّ لكم مناسككم في يسر وعافية، ويتقبَّل أعمالكم، ويغفر ذنوبكم، ويستجيب دعاءكم، ويصلح نواياكم، ويزكّي أنفسكم، وأن يُثبِّتكم على دينه، ويجعلكم من أهل ولايته، ومن الثابتين على طاعته، وأن يفيض عليكم من رحمته ما يصلح به أمر دينكم، ودنياكم، ومنقلبكم، ومثواكم. وأن يدفع عنكم وعن دينكم القويم وإخوانكم المؤمنين شر الاشرار، وكيد الفجّار، وينصركم على القوم الظالمين، ويرد كيدهم إلى نحورهم. فإنّ ذلك كله بيده وإليه يرجع الامر كله. وهو أرحم الراحمين وولي المؤمنين.

وهناك أُمور مهمة يتمّ بها حجكم، ويصلح بها أمركم، فلا ينبغي لكم أن تغفلوها:

1-التفقُّه في أحكام الحج، وضبطها مسبقاً قبل كل شيء. وذلك بمراجعة كتب المناسك المعتبرة، واسترشاد المرشدين من أهل التفقه والمعرفة، والرجوع للبعثات الدينية والاستضاءة بها، مع التثبت في ذلك، والتأكّد منه، والتروِّي فيه، فإنَّ أتعاب ذلك تهون ازاء المشاكل والمضاعفات التي يسببها الجهل بالاحكام والغفلة عنها.

وإذا شك أحدكم في مطابقة عمله الذي وقع منه للوجه الشرعي فاللازم عليه الفحص عن حاله، والاحتياط فيه، حتى يكون على بصيرة من صحته وبيِّنة من أمره.

وإذا جاء بالعمل ثم ظهر له الخطأ فيه فلا يضيقنَّ من تداركه ما دام ميسوراً له، قبل أن يفوت الاوان ويقرع سنّ الندم. فكم قد جرّ التسرع والتسامح والاهمال في ذلك لمشاكل معقدة يصعب حلّها، أو يتعذّر الخروج منها.

2-إنّ من جملة ما حثّ الإسلام عليه حسن المخالطة مع الناس، وجميل المعاشرة معهم، وسجاحة الخلق وسعة الصدر.

وقد أكد النبي (ص)، وأهل بيته (ع) على ذلك، ففي حديث عبد الله بن سنان عن الإمام زين العابدين (ع)، قال: «قال رسول الله (ص): ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخُلُق». وفي حديث محمّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع)، قال: «إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».

وفي حديث الربيع الشامي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) أنّه قال: – في مجلسه وهو غاصّ بالناس – «يا شيعة آل محمّد إعلموا أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة مَن خالقه، ومرافقه مَن رافقه، ومجاورة مَن جاوره، وممالحة مَن مالحه. اتقوا الله ما استطعتم. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله». والاحاديث في ذلك كثيرة جداً لا يسعنا الاطالة فيها.

وإذا كان حسن الخُلُق مطلوباً من المؤمن في سائر الاوقات فهو في الحج أولى وألزم، لانّ الحاج في طاعة الله تعالى فهو أولى بمراعاة الاداب الدينية، وأحرى بالتزام الارشادات الالهية.

ولأنّه مبتلىً بأُمور كثيرة من شأنها أن تضيّق صدره وتوعر خُلُقه، كصعوبة أعمال الحج وكثرتها وطول مدتها، وشدة الزحام، والخروج عن المألوف في المعاشرة والمخالطة والمأكل والملبس، وغير ذلك مما من شأنه أن يجعل الانسان في حالة استثنائية من شدّ الاعصاب والتوتر.

فإذا لم يتهيأ من أول الامر لذلك ويستعد له، ويوطّن نفسه على المتاعب، ويتدرع بالحلم، والصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر، فقد ينهار أمام هذه المشاكل ويفقد السيطرة معها، ويخرج عن ميزانه ويقع فيما لا تحمد عقباه، ونعوذ بالله تعالى من ذلك.

ولذا ورد عنهم (ع) التأكيد على ذلك في الحج…

ففي حديث صفوان عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: «كان أبي يقول: لا ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: خلق يخالق به من صحبه، أو حلم يملك به غضبه، أو ورع يحجزه عن محارم الله».

3-من المتوقع بسبب المشاكل السابقة أن يتعرض كثير من المؤمنين في هذا الموسم للحاجة الماسّة المادّية أو المعنوية، وقد تضيق الامور بهم، وتنقطع السبل، وليس لهم -بعد الله تعالى- إلاّ إخوانهم المؤمنون.

فعلى المؤمنين جميعاً أن يتحسّسوا روابط الاخوة بينهم، ويستشعروا وحدة الهدف، وأنّهم جميعاً وفد الله تعالى وعياله، وأنّ أحبهم إليه أنفعهم لعياله – كما استفاضت بذلك النصوص – وأنّ كمال هدفهم إنّما يكون بمواساة بعضهم لبعض، فيعود غنيهم على فقيرهم، وقويهم على ضعيفهم، وعالمهم على جاهلهم…. إلى غير ذلك… فإنّ صلة بعضهم لبعض صلة لله تعالى الذي كرّم المؤمن وعظّم حرمته. وهو الذي إليه وفدهم، وعليه أجرهم.

وفي حديث أبي حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين (ع) أنّه قال: «من قضى لاخيه حاجة فبحاجة الله بدأ، وقضى الله له بها مائة حاجة في إحداهن الجنّة…»، والحديث طويل في تفصيل ذلك.

وفي حديث أبان بن تغلب عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) أنّه قال: «لقَضاء حاجة مؤمن خير من طواف وطواف حتى عدّ عشرة أسابيع».

وفي حديث إسماعيل الخثعمي، قلت لابي عبد الله (ع) أنّا إذا قدمنا مكة ذهب أصحابنا يطوفون ويتركوني أحفظ متاعهم قال: «أنت أعظم أجراً».

وفي حديث مرازم، زاملت محمد بن مصادف فلما دخلنا المدينة اعتللت فكان يمضي إلى المسجد ويدعني وحدي، فشكوت ذلك إلى مصادف فأخبر أبا عبد الله (ع) فأرسل إليه: «قعودك معه أفضل من صلاتك في المسجد». إلى غير ذلك مما يضيق المقام عن استقصائه.

فلا ينبغي لمن يسعه وجه من وجوه الاعانة والمواساة أن يهمل ذلك ويضيق به، ويضيّع الفرصة ويفرّط فيهاو فإنّ الفرص تمرّ مرّ السحاب.

4-من المعلوم انّ من تمام الحج الفوز بزيارة سيد رسل الله، وأشرف خليقته، النبي الاعظم (ص)، وزيارة آله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

وفي حديث الاسلمي عن الإمام الصادق (ع)، قال: «قال رسول الله (ص) من أتى مكة حاجاً ولم يزرني إلى المدينة جفاني، ومن جفاني جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة».

وقال أمير المؤمنين (ع) – في حديث الأربعمائة المشهور -: «ألمّوا برسول الله (ص) إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام، فإنّ تركه جفاء، وبذلك أُمرتم، وألمّوا بالقبور التي ألزمكم الله حقها وزيارتها، واطلبوا الرزق عندها».

وفي حديث إسماعيل بن مهران عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «إذا حجّ أحدكم فليختم بزيارتنا، لانّ ذلك من تمام الحج».

وتلك غنيمة لا تقدر بثمن، يؤدي بها المؤمن حق رسول الله (ص) وحق أهل بيته (ع) ويفي بعهدهم الذي لهم في عنقه، ويؤكد به ولاءه إيّاهم.

ففي حديث الوشا سمعت الرضا (ع) يقول: «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وانّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم».

كما يتوسل إلى الله عزّوجل بهم، ويقدّمهم أمام حوائجه، فإنّهم صلوات الله عليهم أوثق له الوسائل له جلّ شأنه وأفضلها، وأوضح السبل إليه وأوصلها، ليفوز بشفاعتهم وعنايتهم وبركة مشاهدهم وولايتهم.

فعليكم أن تغتنموا الفرصة، وتؤدُّوا ذلك على أفضل وجوهه وأكملها، حسبما هو المأثور عنهم (ع) من أحكام وآداب، وتكثروا من ذلك ما استطعتم.

والله سبحانه وتعالى هو المعين لكم وعليه أجركم، كما انّه قد ورد في بعض أحاديث أهل البيت (ع) أنّ من الاغراض الشريفة للحج التعرف على آثار رسول الله (ص) وأخباره، ليُذكَر ولا يُنسى. كما أنّ في جملة من أحاديثهم (ع) التأكيد على التأسي بالنبي (ص) في بعض منازله وأفعاله.

فعليكم -أيها الحاج- أن تتعمّدوا ذلك ما وجدتم إليه سبيلاً، فتزوروا المواقع التي حلّ (ص) فيها أو مرّ بها، وتتذكروا مقاماته ومواقفه فيها، وتتمثولها في نفوسكم، وتنشدّوا لها وله (ص) بقلوبكم، تأكيداً لحبكم له، وتثبيتاً لعلاقتكم معه، وتقويةً لروابطكم به، فهو الرؤوف بالمؤمنين، الرحيم بهم، الشافع لهم المشفّع فيهم. وجزاه الله تعالى خير ما جزى نبياً عن أُمته، وبلّغه منا تحية وسلاماً.

ويجري أهل بيته (ع) مجراه في ذلك، لانّهم منه وهو منهم، خلقوا من نوره، ونطقوا عنه. فمن أحبَّهم فقد أحبَّه، ومن أكرمهم فقد أكرمه، فلا يفوتنَّكم التعرف على آثارهم، وتذكُّر مواقفهم، وحفظ حق رسول الله (ص) فيهم. ونسأله تعالى أن يثبتنا وإياكم على موالاتهم، وأن يحشرنا جميعاً في زمرتهم إنَّه سميع مجيب.

5-قد ورد في بعض الاحاديث الشريفة أنّ من جملة فوائد الحج التفقه في الدين، ونشر المعارف الدينية في أنحاء المعمورة(1).

وهو أمر حقيق بالاهتمام في هذه الايّام، حيث تفرَّق كثير من المؤمنين في فجاج الارض وأطرافها، في مجاميع قليلة، بعيدة عن مراكز الثقافة الدينية، محاطة بالافكار الكافرة والمجتمعات المتحللة.

فهي بسبب ذلك معرّضة لخطرين:

الأول: أن تتأثر بمحيطها الذي تعيش فيه في الفكر والسلوك.

الثاني: أنّها -بسبب التعطش للمفاهيم الإسلامية- تكون معرَّضة للتفاعل مع موجة الافكار المنحرفة، التي تطلقها بعض الفئات الناطقة باسم الدين، وكأنّها أفكار تصحيحية تتناسب مع المرحلة الحاضرة، لم تطلق إلاّ بعد التمحيص ممن يهمه الاصلاح والتجديد! وهي بعدُ تمتلك من القوة الاعلامية والدعاية ما يجعلها تنتشر بسرعة نسبياً بالاضافة للافكار الاصيلة، الفقيرة ماديّاً، والتي هي محاصرة مكبوتة.

ولذا يجب على المؤمنين عامة الاهتمام بهذين الخطرين، والتحصّن ضدّهما بالتثقيف بالافكار الاصيلة المستمدة من تعاليم أهل البيت (ع)، والتي دافع عنها وحافظ عليها طول هذه المدة علماؤنا الاعلام، الذين جعلهم أئمتنا (ع)، المرجع للمؤمنين في محنتهم الطويلة.

ولا يختص هذا الواجب بفئة معينة، بل يشترك فيه جميع المؤمنين المتمسكين بأهل البيت (ع) السائرين على خطّهم، كلٌ بحسب قدرته وطاقته، و﴿لا يُكلِّف اللهُ نفساً إلاّ وُسْعها﴾ والعون من الله تعالى ﴿والذين جاهدُوا فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا وانّ الله لمَعَ المحسنين﴾.

وإنّ لموسم الحج أهمية كبرى في ذلك، فإّ الديار المقدّسة وإن خلت من حوزات علمية دينية، إلاّ أنّه يفد عليها في هذا الموسم كثير من ذوي المقام العلمي الرفيع، فرادى أو ضمن بعثات تمثل المرجعيات والمراكز الدينية.

كما أنّه يشارك في الموسم المذكور مجاميع يحجّون من أقطار الارض، فهم يَستطيعون حمل الثقافة الدينية الاصيلة بعد أخذها من الوافدين لهذه الديار، والرجوع بها إلى مواقعهم من المعمورة، ثم نشرها بين القاطنين هناك، وتحصينهم بها.

وهكذا يكون هذا المجتمع المبارك موسماً لتداول الافكار الحقة ونشرها، وسبب خير ورحمة للمؤمنين. ولنا في ذلك أُسوة بتجربة سابقة حدثتنا بها بعض النصوص، قام بها سيد الشهداء الإمام أبو عبد الله الحسين (ع)، في مقابل التثقيف الأموي المنحرف الذي طغى على المجتمع المسلم، حتى كاد يقضي على الحق، ويضيع معالمه.

فقد حج (ع) بأهل بيته ومواليه في أواخر عهد معاوية بن أبي سفيان، فجمع وجوه من بقي من المهاجرين والانصار، وجماعة ممن يعرف بالصلاح والنسك من التابعين المنتشرين في أقطار الارض ممن وفد للحج وشهد الموسم، وقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أمّا بعد… فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتم، وشهدتم، وإنّي أريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فصدِّقوني، وإن كذبت فكذِّبوني.

اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم به من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا، فإنِّي أتخوف أن يدرس هذا الامر ويذهب الحق ويُغلب. والله متم نوره ولو كره الكافرون».

ثم ما ترك (ع) شيئاً مما أنزل الله تعالى فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (ص) في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته (ع)، إلاّ رواه، وفي كل ذلك يقول من شهد الحديث من الصحابة: «اللهم نعم وقد سمعنا وشهدنا»، ويقول التابعي: «اللهم قد حدّثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة». فقال (ع): «أنشدكم الله إلاّ حدَّثتم به من تثقون به وبدينه». ثم تفرقوا على ذلك.

وكفى به(ع) لنا إماماً نقتدي به في الحفاظ على الحق ونشره بين أهله، وأسوة حسنة نتبع أثره في ذلك. والله سبحانه وتعالى من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

6-يمرّ الإسلام اليوم بظروف ومحن قاسية أمام تجمع قوى الكفر والشرّ، حيث تحاول تمزيقه من الداخل بإثارة الخلافات والتناحر والعصبيات، ومحاصرته من الخارج، وصبّ النقمة عليه وعلى المسلمين، وتجاهل حقوقهم، وملاحقتهم، وانتهاك حرماتهم.

وهذا الموسم الشريف بمثابة مؤتمر عام للمسلمين يجمعهم من أطراف الارض المترامية، على اختلاف مذاهبهم، وتشعّب طرائقهم تحت راية الإسلام العظيم الذي منّ الله تعالى عليهم به، ليذكرهم بوحدتهم وينبههم من غفلتهم، وليدركوا أنّ خلافاتهم لا ينبغي أن تمنعهم من تعاونهم من أجل خدمة دينهم والحفاظ عليه ورفع كلمته، ومن أجل الاهداف المشتركة التي يسعون لها، والمحنّة الشاملة التي يعيشونها.

فعليهم أن يهوّنوا أمر تلك الخلافات، ويخفّفوا من حدّتِها، ويحتفظ كل فريق منهم بوجهة نظره لنفسه، في محاولة لتوحيد الكلمة، ورصّ الصفوف، وجمع الشمل، كما قال عزّ من قائل: ﴿واعتصموا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تفَرَّقوا﴾.

وليعتبروا بحال أعدائهم، حيث لم يمنعهم اختلاف أديانهم، وتباين أهوائهم، وتضارب مصالحم وأطماعهم من أن يتحالفوا على عدوهم المشترك، المتمثل في الإسلام والمسلمين، ويضيقوا الخناق عليهما، ويجدّوا في حربهما وملاحقتهما.

فعلى أهل التعقل والتبصر من كل فئة الاهتمام في هذا الموسم الشريف بالانفتاح على الاخرين، وتبادل الزيارات معهم، وفتح الحوار الهادئ الهادف، من أجل الاطلاع على وجهات النظر، وعلى المشاكل والمتاعب التي تعاني منها جميع الاطراف، وتداول الرأي لمعالجتها ووضع الحلول المناسبة لها، ودعم كل فريق للاخر، بما أوتي من حول وقوة، والتعاون بينهم، لافشال مخططات الاعداء، وإحباط سعيهم وردّ كيدهم، متكلين في ذلك على الله تعالى، مستمدين منه العون، والنصر، والتأييد، والتسديد.

ثم ليعلموا أنّ عزّتهم بطاعتهم لربّهم، وخيرهم في تمسكهم بدينهم، والتزام تعاليمه، والسير على الطريق الواضح الذي نهجه الله تعالى لهم.

وليعرفوا عِظمَ المسؤولية الملقاة على عواتقهم، فقد حمّلهم الله سبحانه دعوته، وألزمهم كلمته، واستحفظهم أمانته ﴿فَمَنْ نكثَ فإنّما ينكُثُ على نفسِهِ ومَنْ أوفى بما عاهدَ عليهُ اللهَ فسيؤتيهِ أجراً عظيماً﴾. ولقد قال عزّ من قائل: ﴿إنْ تنصروا اللهَ ينصركم ويُثبّت أقدامكم﴾. وقال: ﴿واللهُ الغنّيُ وأنتُمُ الفقراءُ وإنْ تتولَّوا يستبدِلْ قوماً غيرَكُم ثمَّ لا يكونُوا أمثالَكُم﴾.

7-تظافرت النصوص الشريفة عن أهل بيت الرحمة نبينا العظيم وأهل بيته الاكرمين عليهم أفضل الصلوات وأزكى التحيات بأنّ الحاج مغفور له وقد تقدّم جملةٌ منها.

وفي الحديث عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «الحاج لا يزال عليه نور الحج ما لم يلم بذنب»، وهي فرصة العمر التي قد لا تتهيّأ لكم مرة أُخرى.

فعليكم أن تعرفوا قدرها، وتؤدوا حقها وشكرها، وانظروا لانفسكم التي هي أحب الانفس إليكم، وأعزّها عليكم، وتشبّثوا بنور الله تعالى الابهى، وكرامته العظمى، حين طهّركم من ذنوبكم، وكفّر عنكم سيئاتكم، ونقّى صفحاتكم، فراقبوا أنفسكم وحاسبوها، وجدّوا في تقوى الله ورضاه، والتمسك بأحكامه وآدابه، والحذر من معصيته وانتهاك حرمته، والتعرّض لغضبه بعد رحمته، واستعيذوا به من الشيطان الرجيم، ومن مضلات الفتن، والجأوا إليه جلّ شأنه متضرعين في الاستقامة والعصمة، لتكونوا من أهل ولايته كما قال عزّ من قائل: ﴿الذين قالوا ربّنا اللهُ ثمَّ استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الاخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدَّعون * نُزُلاً من غفور رحيم﴾ والله سبحانه مع عبده ما كان عبده معه ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنّ اللهَ لمع المحسنين﴾.

وفي الختام نبتهل إلى الله جلّت آلاؤه، وعظمت نعماؤه، أن يكلاكم ويرعاكم، ويتمّ لكم مناسككم، ويتقبّل منكم، ويستجيب دعاءكم، ويعينكم في جميع أُموركم، ويرجعكم إلى بلادكم وأهاليكم سالمين غانمين، محبورين في العاجل والآجل.

كما نسأله بفضله وكرمه أن يشركنا في طاعاتكم، فإنّ من أحبّ عمل قوم كان له مثل أجرهم، وأن لا يحرمنا دعاءكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


1– عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع) – في حديث طويل – قال: إنّما أُمروا بالحجّ لعلَة الوفادة إلى الله عزّوجلّ وطلب الزيادة، والخروج من كلّ ما اقترف العبد تائباً مما مضى، مستأنفاً لما يستقبل، مع ما فيه من إخراج الاموال، وتعب الابدان، والاشتغال عن الاهل والولد، وحظر النفس الانفس عن اللذات، شاخصاً في الحرّ والبرد ثابتاً على ذلك دائماً، مع الخضوع والاستكانة والتذلّل، مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الارض وغربها، ومن في البّر والبحر، ممّن يحجّ وممّن لم يحجّ، من بين تاجر وجالب وبائع ومشتر وكاسب ومسكين ومكار وفقير، وقضاء حوائج أهل الاطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه، مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الائمة (ع) إلى كل صقع وناحية، كما قال عزّوجلّ: ﴿فلولا نفرَ من كلِّ فرقة منهم طائفةٌ ليتفقّهوا في الدينِ وليُنذِروا قومَهُم إذا رَجعُوا إليهِمْ لعلَّهُم يحذَرون﴾(التوبة 9:122)، و﴿ليشهدُوا منافِعَ لَهُم﴾(الحج 22:28).
Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: