وأذن في الناس بالحج

 وأذن في الناس بالحج

﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ /  لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ /  ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ / ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (1).

اللغة:

العاكف المقيم الملازم للمكان والبادي أصله من بدا يبدو إذا ظهر والبدو خلاف الحضر سمي بذلك لظهوره والبادي في الآية الطارىء والمكان ما يتمكن عليه الشيء قيل هو اسم لما أحاط بالشيء والمكان والموضع والمستقر نظائر والرجال جمع راجل مثل صحاب وقيام وفي جمع صاحب وقائم والضامر المهزول أضمره السير والعميق البعيد قال الراجز يقطعن بعد النازح العميق والبائس الذي به ضر الجوع والفقير الذي لا شيء له يقال بؤس فهو بائس أي صار ذا بؤس وهو الشدة قال الأزهري لا يعرف التفث في لغة العرب إلا من قول ابن عباس وأهل التفسير وقال النضر بن شميل هو إذهاب الشعث.

المعنى:

﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي ناد في الناس وأعلمهم بوجوب الحج واختلف في المخاطب به على قولين (أحدهما) أنه إبراهيم عن علي وابن عباس واختاره أبو مسلم قال ابن عباس قام في المقام فنادى يا أيها الناس إن الله دعاكم إلى الحج فأجابوا بلبيك اللهم لبيك (والثاني) أن المخاطب به نبينا محمد عليه أفضل الصلوات أي وأذن يا محمد في الناس بالحج فأذن صلوات الله عليه في حجة الوداع أي أعلمهم بوجوب الحج عن الحسن والجبائي وجمهور المفسرين على القول الأول وقالوا أسمع الله تعالى صوت إبراهيم كل من سبق علمه بأنه يحج إلى يوم القيامة كما أسمع سليمان مع ارتفاع منزلته وكثرة جنوده حوله صوت النملة مع خفضة وسكونه وفي رواية عطا عن ابن عباس قال لما أمر الله سبحانه إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج صعد أبا قبيس ووضع إصبعه في أذنيه وقال يا أيها الناس أجيبوا ربكم فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأول من أجابه أهل اليمن…

﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي مشاة على أرجلهم…

﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي ركبانا قال ابن عباس يريد الإبل ولا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد هزل وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لبنيه يا بني حجوا من مكة مشاة حتى ترجعوا إليها مشاة فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم قيل وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة…

﴿يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي طريق بعيد وروي مرفوعا عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسياهم لمحسنهم وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني غير التبعات التي بينهم فإذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله يقول يا ملائكتي عبادي وقفوا وعادوا من الرغبة والطلب فأشهدكم أني قد أجبت دعاءهم وشفعت رغبتهم ووهبت مسياهم لمحسنهم وأعطيت محسنهم جميع ما سألني وكفلت عنهم بالتبعات التي بينهم…

وقوله ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قيل يعني بالمنافع التجارات عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقيل التجارة في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة عن مجاهد وقيل هي منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة عن سعيد بن المسيب وعطية العوفي وهو المروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ويكون المعنى ليحضروا ما ندبهم الله إليه مما فيه النفع لهم في الآخرة…

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ اختلف في هذه الأيام وفي الذكر فيها فقيل هي أيام العشر وقيل لها معلومات للحرص على علمها من أجل وقت الحج في آخرها والمعدودات أيام التشريق عن الحسن ومجاهد وقيل هي أيام التشريق يوم النحر وثلاثة بعده والمعدودات أيام العشر عن ابن عباس وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) واختاره الزجاج قال لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أي على ذبح ونحر ما رزقهم من الإبل والبقر والغنم وهذه الأيام تختص بذلك وقيل إن الذكر فيها كناية عن الذبح لأن صحة الذبح لما كان بالتسمية سمي باسمه توسعا وقيل هو التكبير قال أبو عبد الله التكبير بمنى عقيب خمس عشرة صلاة أولها صلاة الظهر من يوم النحر يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام والبهيمة أصلها من الإبهام وذلك أنها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق والأنعام الإبل واشتقاقها من النعمة وهي اللين سميت بذلك للين أخفافها وقد يجتمع معها البقر والغنم فيسمى الجميع أنعاما اتساعا وإن انفردا لم يسميا أنعاما…

﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أي من بهيمة الأنعام وهذا إباحة وندب وليس بواجب…

﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فالبائس الذي ظهر عليه أثر البؤس من الجوع والعري وقيل البائس الذي يمد يده بالسؤال ويتكفف للطلب أمر سبحانه أن يعطي هؤلاء من الهدي…

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أي ليزيلوا أشعث الإحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر وغسل واستعمال طيب عن الحسن وقيل معناه ليقضوا مناسك الحج كلها عن ابن عباس وابن عمر قال الزجاج قضاء التفث كناية عن الخروج من الإحرام إلى الإحلال…

﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي وليتموا نذورهم بقضائها ولم يقل بنذورهم لأن المراد بالإيفاء الإتمام قال ابن عباس هو نحر ما نذروا من البدن وقيل هو ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج وربما نذر الإنسان أن يتصدق أن رزقه الله الحج وإن كان على الرجل نذور مطلقة فالأفضل أن يفي بها هناك …

﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ هذا أمر وظاهره يقتضي الوجوب وقيل أراد به طواف الزيارة لأنه من أركان أفعال الحج بلا خلاف وقيل إنه طواف الصدر لأنه سبحانه أمر به عقيب المناسك كلها وروى أصحابنا أن المراد به طواف النساء الذي يستباح به وصل النساء وذلك بعد طواف الزيارة فإنه إذا طاف طواف الزيارة حل له كل شيء إلا النساء فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء والبيت العتيق هو الكعبة وإنما سمي عتيقا لأنه أعتق من أن يملكه العبيد عن مجاهد وسفيان بن عينية وأبي مسلم وقيل إنما سمي عتيقا لأنه أعتق من أن تصل الجبابرة إلى تخريبه وما قصده جبار قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أهلكه الله تعالى وإنما لم يهلك الحجاج حين نقضه وبناه ثانيا ببركة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن الله سبحانه أمن ببركته هذه الأمة من عذاب الاستئصال عن مجاهد وقيل سمي به لأنه أعتق من الطوفان فغرقت الأرض كلها إلا موضع البيت وقيل سمي به لأنه قديم فهو أول بيت وضع للناس بناه آدم (عليه السلام) ثم جدده إبراهيم (عليه السلام) عن ابن زيد…

﴿ذَلِكَ﴾ قيل هاهنا وقف ومعناه الأمر ذلك أي هكذا أمر الحج والمناسك…

﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ أي فالتعظيم خير له عند ربه أي في الآخرة والحرمة ما لا يحل انتهاكه وقال الزجاج الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه وهي في هذه الآية ما نهي عنها ومنع من الوقوع فيها وتعظيمها ترك ملامستها واختار أكثر المفسرين في معنى الحرمات هنا أنها المناسك لدلالة ما يتصل بها من الآيات على ذلك وقيل معناها هاهنا البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام عن ابن زيد قال ويدل عليه قوله والحرمات قصاص…

﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ أي الإبل والبقر والغنم…

﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني في سورة المائدة من الميتة والمنخنقة والموقوذة ونحوها…

﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ من هنا للتبيين والتقدير فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان وروى أصحابنا أن اللعب بالشطرنج والنرد وسائر أنواع القمار من ذلك وقيل إنهم كانوا يلطخون الأوثان بدماء قرابينهم فسمي ذلك رجسا…

﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يعني الكذب وقيل هو تلبية المشركين لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وروى أصحابنا أنه يدخل فيه الغناء وسائر الأقوال الملهية وروى أيمن بن خريم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قام خطيبا فقال أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله ثم قرأ…

﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يريد أنه قد جمع في النهي بين عبادة الوثن وشهادة الزور.

المصدر: تفسير مجمع البيان في تفسير القران إلى الطبرسي (ت 548 هـ).


1– الحج/27-30.
Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: